نجحت مصر مؤخراً في الخروج من أزمة خانقة كانت تضرب قناة السويس التي تشكل ممراً مائياً دولياً بالغ الأهمية، وتشكل المنشأة الاقتصادية الأكثر أهمية للبلاد والمصدر الرئيس للإيرادات من العملة الصعبة.
وقال تقرير نشرته جريدة “واشنطن بوست” الأميركية، واطلعت عليه “العربية Business”، إن قناة السويس التي هي شريان حيوي للتجارة العالمية بدأت مؤخراً بتجاوز أزمة خانقة استمرت لأكثر من عامين ووجهت ضربة اقتصادية قاسية لمصر.
وبدأت الأزمة في خريف عام 2023، عندما بدأ الحوثيون في اليمن بمهاجمة السفن التجارية في البحر الأحمر رداً على الحرب الإسرائيلية على غزة، وهو الخطر الذي دفع شركات الشحن الكبرى إلى تغيير مساراتها حول جنوب أفريقيا، مما أدى إلى زيادة الوقت والتكلفة لرحلاتها وحرمان مصر من نحو 13 مليار دولار من رسوم القناة على مدى عامين، وهي عملة أجنبية هي في أمس الحاجة إليها، وفقاً لتقديرات مسؤولين مصريين.
لكن الصحيفة تشير إلى أن نجاح الدبلوماسية المصرية في التوسط من أجل وقف الحرب على غزة أدى إلى استمالة شركات الشحن للعودة مرة أخرى إلى استخدام قناة السويس.
ووفقاً لحازم يوسف، رئيس قسم مراقبة الحركة البحرية في “هيئة قناة السويس” فمنذ سريان وقف إطلاق النار في غزة، يعبر القناة حوالي 45 سفينة يومياً في المتوسط، وذلك ارتفاعاً من المتوسط اليومي البالغ حوالي 35 سفينة قبل الهدنة.
لكن هذا العدد لا يزال أقل بكثير من المتوسط البالغ 70 سفينة يومياً قبل حرب غزة، وبينما بدأت بعض شركات الشحن الكبرى بالعودة إلى استخدام القناة، لا تزال شركات أخرى مترددة، نظراً لهشاشة وقف إطلاق النار في غزة.
وقال تيموثي كالداس، نائب مدير “معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط” في واشنطن العاصمة، إن قناة السويس تُعد شريان حياة لجذب الدولارات اللازمة لاستيراد السلع الأساسية وسداد ديون الحكومة. ويمكن لسفينة حاويات ضخمة أن تدفع للسلطات المصرية نحو مليون دولار لعبور القناة.
وأطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروعاً بقيمة 8.6 مليار دولار لتوسيع القناة قبل أكثر من عقد من الزمن لزيادة حجم السفن التي يمكنها استيعابها. وعندما عطّلت جائحة كورونا حركة الشحن العالمية، وبعد أن علقت سفينة حاويات ضخمة لفترة وجيزة في القناة عام 2021، مما أدى إلى تعطيل سلاسل التوريد الدولية، قدّمت السلطات المصرية خصومات للشاحنين ووسّعت القناة بشكل أكبر، وفقاً لما ذكره رئيس “هيئة قناة السويس” أسامة ربيع، في مقابلة أجريت معه من مقر الهيئة في الإسماعيلية الشهر الماضي.
وانتعشت القناة وحققت إيرادات قياسية بلغت 10.2 مليار دولار في عام 2023، حيث مرّ عبرها ما بين 12% و15% من التجارة البحرية العالمية، وفقاً لمنظمة “التجارة والتنمية” التابعة للأمم المتحدة.
وخلال العامين الماضيين شنّ الحوثيون 178 هجوماً على سفن تجارية في البحر الأحمر، وفقاً لبيانات منظمة “بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة”، وهي منظمة عالمية تُعنى برصد هذه الأحداث. وأسفرت هذه الهجمات عن غرق أربع سفن على الأقل ومقتل تسعة بحارة على الأقل.
وارتفعت أسعار تأمين الشحن بشكلٍ كبير، ما دفع العديد من شركات الشحن الكبرى إلى تغيير مسار سفنها لتجنب رأس الرجاء الصالح. وبحسب بيتر ساند، كبير المحللين في شركة “زينيتا” لتحليل سوق الشحن، فإنّ تجاوز قناة السويس، التي تربط آسيا بأوروبا، أضاف حوالي شهر من وقت العبور في المتوسط.
وأوضح هشام يوسف، الدبلوماسي المصري السابق، أن النقص في الإيرادات الناجم عن هجمات الحوثيين دفع مصر إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية لإنهاء الحرب في غزة.
وقال مسؤول مصري طلب من صحيفة “واشنطن بوست” عدم الكشف عن هويته: “سنحصل على كامل عائدات قناة السويس. سيُطبق السلام وسنتمكن من رعاية بلدنا”.
وتتطلع مصر إلى المستقبل، حيث تعمل على تطوير منطقة اقتصادية جديدة لقناة السويس، والتي حققت بالفعل بعض النجاح في جذب الصناعات الأجنبية.
وقال ربيع إن حركة النقل البحرية تشهد ازدياداً، والإيرادات في ارتفاع، مضيفاً أنه يعتقد أن الخصومات كان لها دور في ذلك.
وأرسلت شركة “CMA CGM” الفرنسية عدداً من سفن الحاويات عبر القناة أواخر العام الماضي، وأعلنت عن عودتها إلى قناة السويس على 3 من خطوطها الملاحية بدءاً من هذا الشهر.
كما أعلنت شركة “ميرسك” الدنماركية العملاقة أنها ستستأنف رحلاتها المنتظمة عبر قناة السويس على أحد خطوطها، الذي يربط الشرق الأوسط والهند بالساحل الشرقي للولايات المتحدة. وجاءت هذه الخطوة بعد أن أرسلت “ميرسك” سفن حاويات تجريبية في ديسمبر/كانون الأول وبداية هذا الشهر.
ومع ذلك، لم تعلن شركات كبرى، بما في ذلك “شركة البحر الأبيض المتوسط للشحن” وشركة “هاباغ لويد”، عن عودتها حتى الآن، مشيرةً إلى الوضع الأمني غير المستقر في البحر الأحمر.