أمريكا إلى خارج النظام الدولي | حسام ميرو

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في السادس من يناير/كانون الثاني الجاري، قراراً تنفيذياً يقضي بتعليق الدعم الأمريكي والانسحاب من عشرات المنظمات الدولية، بينها هيئات مركزية تابعة للأمم المتحدة، ولئن بدا المشهد للوهلة الأولى امتداداً لسلسلة قرارات إدارية مثيرة للجدل اعتادت عليها رئاسة ترامب، غير أن التمعّن في طبيعة القرار، واتساع نطاقه، ونوعية المؤسسات التي طالها، يكشف أن الأمر يتجاوز حدود السياسة اليومية، ليعبّر عن تحوّل عميق في نظرة الولايات المتحدة إلى النظام الدولي نفسه، لا إلى بعض أوجه قصوره أو اختلالاته.
فالمنظمات التي شملها القرار لا تمثّل أطرافاً هامشية أو ثانوية في بنية العلاقات الدولية، بل تقع في صلب آليات إدارة العالم المعاصر، وبالتالي فإن انسحاب واشنطن من مؤسسات تُعنى بتغيّر المناخ، والسكان، والهجرة، والتنمية، والزراعة، يعني عملياً الانكفاء عن قضايا تشكّل جوهر التحديات العالمية في القرن الحادي والعشرين، وحين تُبرَّر هذه الخطوة بخطاب السيادة والمصلحة الوطنية، فإن ذلك لا يخفي حقيقة أن ما يجري هو إعادة تعريف لمفهوم الالتزام الدولي برمّته، وليس مجرد خلاف حول كلفة التمويل أو فاعلية الأداء.
يعكس هذا المسار رؤية أيديولوجية واضحة طبعت مقاربة الرئيس ترامب للسياسة الخارجية منذ اليوم الأول لولايته الثانية، والتي تعدّ استكمالاً لولايته الأولى من الناحية السياسية، وتقوم هذه الرؤية على رفض التعددية، والارتياب من المؤسسات الدولية، وتفضيل التعامل المباشر القائم على موازين القوة والصفقات الثنائية، وفي هذه الرؤية، لا يُنظر إلى النظام الدولي بوصفه إطاراً منظِّماً للسلوك الدولي أو أداة لتكريس النفوذ الأمريكي، بل يُنظر إليه على أنه قيدٌ بيروقراطي يُكبّل حرية القرار الأمريكي و«يُفرغ السيادة من مضمونها»، بحسب تعبيره، ومن هنا، لا يرى في المؤسسات الأممية بوصفها شريكاً، بل مجرد عبء ينبغي التخلي عنه من دون شعور بالخسارة الاستراتيجية.
وليس هذا الاستخفاف بالنظام الدولي جديداً أو طارئاً في سلوك إدارة ترامب، بل ظهر بوضوح في ملفات عدة سبقت قرار الانسحاب، فقد أظهرت واشنطن، في تعاملها مع أزمات دولية معقّدة، استعداداً لتجاوز القواعد والمؤسسات القائمة حين لا تخدم حساباتها السياسية المباشرة، ويكفي التذكير بطريقة إدارة ملف فنزويلا، حيث جرى التعاطي مع الأزمة بمنطق الضغط الأحادي والعقوبات والاعترافات السياسية الانتقائية، من دون اكتراث حقيقي بالمسارات الأممية أو بالشرعية متعددة الأطراف، في تعبير صارخ عن تهميش متعمّد لدور النظام الدولي لمصلحة منطق القوة، والذي لا يحتاج فرضه إلى أي مبرر سياسي أو أخلاقي أو قانوني.
بهذا المعنى، فإن قرار الانسحاب من المنظمات الدولية، لم يأتِ كقطيعة مفاجئة مع النظام الدولي، فقد سبقه مسار سياسي يتعامل مع العالم كساحة لا تحتاج إلى قواعد ملزمة، إلا حين تكون هذه القواعد في خدمة مصالح واشنطن، لكن هذا السلوك في جوهره انتكاس دولي، لأنه يعيد إنتاج السياسة الدولية في صيغتها ما قبل المؤسسية، من دون حاجة إلى مرجعية جامعة تدار بها الأزمات الدولية، خصوصاً تلك التي تشكّل خطراً على البشرية جمعاء.
من الناحية الاستراتيجية، يُظهر هذا القرار إعادة تشكيل وتعريف أمريكا لمصالحها ودورها في القيادة الدولية، وخروجاً عن تاريخها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فالنفوذ الأمريكي لم يكن مجرد انعكاس آلي لتفوقها العسكري والاقتصادي والاستخباراتي، وإنما أيضاً لإسهامها المباشر في صياغة القواعد والمؤسسات التي تنظّم هذا النفوذ وتمنحه شرعية واستدامة، أما حين تتحوّل هذه القواعد إلى هدف للهجوم، فإن ذلك يشير إلى تراجع في الإيمان بفكرة القيادة نفسها، واستبدالها بمنطق الهيمنة الظرفية قصيرة الأمد.
إن الرسالة التي يبعث بها هذا السلوك إلى بقية العالم لا تقل خطورة عن القرار ذاته. فإذا كانت الدولة التي مثّلت لعقود العمود الفقري للنظام الدولي ترى اليوم أن الالتزام المؤسسي أمرٌ غير ضروري، فإن ذلك يفتح الباب أمام دول أخرى لتبنّي المقاربة ذاتها، كلٌّ وفق قدرته ومصلحته، وهنا لا نكون أمام نظام دولي متعدد الأقطاب منضبط، وإنما أمام عالم مفتوح على الفوضى، حيث تتآكل القواعد، ويغدو العالم بأسره رهينة لموازين القوى.

[email protected]



‫0 تعليق

اترك تعليقاً