اجتماع الفصائل الفلسطينية بالقاهرة لم يأتِ كحدث عابر في روزنامة الدبلوماسية الاعتيادية، بل انطلق كقذيفة سياسية اخترقت جدار الصمت والجمود لتعلن ميلاد مرحلة حاسمة تُكتب فصولها بمداد الإرادة المصرية الفولاذية.
في اللحظة التي ظن فيها العالم أن غزة قد تُركت لمصيرها المجهول وسط ركام الحرب والدمار، تدخلت القاهرة بثقلها التاريخي والاستراتيجي لتقلب الطاولة وتعيد صياغة المشهد بالكامل، مؤسسة لواقع جديد لا مكان فيه للمناورات الضيقة أو الحلول الترقيعية، بل هو تأسيس لشرعية الإنجاز على الأرض تحت مظلة قيادة سياسية مصرية تدرك بعمق أن الأمن القومي العربي لا يتجزأ وأن استقرار القطاع هو بوابة الاستقرار للإقليم بأسره، لتتحول العاصمة المصرية إلى ورشة عمل سياسية كبرى تصنع الأمل من رحم المعاناة وتفرض منطق الدولة والمؤسسات على فوضى السلاح والإنقسام.
هندسة العبور من الهدنة إلى الدولة
تتجلى عبقرية المشهد الحالي في أن اجتماع الفصائل الفلسطينية بالقاهرة جاء ثمرة ناضجة لجهود الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي أدار هذا الملف بحنكة الجراح واقتدار الزعيم، حيث تجاوزت الرؤية المصرية حدود المساعدات الإنسانية التقليدية رغم بلوغها أرقاماً قياسية لتصل إلى عمق المعضلة السياسية وتفكيكها، فقد أدرك الرئيس السيسي مبكراً أن الهدنة الهشة لا تكفي لبناء مستقبل، فعمل بدأب صامت وحزم معلن على تحويل وقف إطلاق النار من استراحة محارب إلى مسار سياسي إجباري يفضي إلى إدارة فلسطينية موحدة، وهو ما يعكس قراءة استشرافية دقيقة لمآلات الأمور جعلت من القاهرة الرقم الأصعب في معادلة الشرق الأوسط والضامن الوحيد القادر على جمع الأضداد حول طاولة واحدة لخدمة المصالح العليا للشعب الفلسطيني وتجنيبه ويلات صراعات المحاور الإقليمية التي أرهقت كاهله لسنوات طوال.
شرعية الإنجاز تحت المظلة الدولية
لقد أثبت الزخم الدولي المتصاعد والتأييد الأمريكي الصريح أن اجتماع الفصائل الفلسطينية بالقاهرة هو المحرك الفعلي لما بات يُعرف عالمياً بمجلس سلام غزة الذي أشار إليه الرئيس دونالد ترامب، حيث تقاطعت الإرادة المصرية الصلبة مع الرغبة الدولية في طي صفحة الصراع الدموي، لتبدأ اللجنة الوطنية الفلسطينية مهامها فعلياً في إدارة القطاع وسط ترحيب أممي غير مسبوق، وهذا الانتقال السلس للسلطة والمهام لم يكن وليد الصدفة بل هو نتاج هندسة دبلوماسية دقيقة قادتها الدولة المصرية لضمان أن تكون عملية إعادة الإعمار مقرونة بإصلاح مؤسسي حقيقي، حيث تعمل القاهرة على تهيئة الأرضية الصلبة لحكومة تكنوقراط قادرة على نزع فتيل الأزمات وتلبية احتياجات المواطنين بعيداً عن الشعارات الجوفاء، مما يرسخ قناعة المجتمع الدولي بأن الطريق إلى الاستقرار يمر حتماً عبر التوافق الذي تصوغه وترعاه القاهرة.
بناء الإنسان قبل العمران
حينما ندقق في مخرجات المشهد السياسي الراهن نجد أن اجتماع الفصائل الفلسطينية بالقاهرة قد وضع الأسس الصلبة لمعادلة الأمن مقابل التنمية التي طال انتظارها، فالرؤية المصرية لا تكتفي بترميم المباني المهدمة بل تسعى لترميم النسيج المجتمعي الفلسطيني من خلال إنهاء كافة المظاهر المسلحة وتوحيد البندقية تحت مظلة الشرعية الوطنية، وهو التحدي الأكبر الذي تصدى له الرئيس السيسي بكل شجاعة ووضوح، مؤكداً أن إعادة الإعمار الحقيقية تتطلب بيئة آمنة ومستقرة خالية من فوضى الفصائلية، ولذلك فإن انطلاق عمل اللجنة الوطنية يمثل رسالة طمأنة للعالم بأن عهد الفوضى قد ولى وأن الاحتكام سيكون للقانون والمؤسسات، مما يفتح الباب واسعاً أمام تدفق الاستثمارات ومشاريع البنية التحتية الكبرى التي ينتظرها الغزيون لتعويض سنوات الحرمان والألم واستعادة الحياة الطبيعية.
عاصمة القرار والضمانة الاستراتيجية
في ختام هذا المشهد التاريخي لا يمكن قراءة اجتماع الفصائل الفلسطينية بالقاهرة إلا باعتباره صك أمان للمنطقة برمتها وبداية فعلية لطي صفحة الانقسام الأسود بلا رجعة، فالدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي لم تقدم وعوداً وردية في الهواء بل قدمت خارطة طريق عملية ومُلزمة لكافة الأطراف، تضمن عدم العودة إلى المربع الأول وتجعل من التوافق الفلسطيني واقعاً ملموساً يسير على الأرض، ومع بدء المداولات التقنية وانخراط الوفود في العمل الجاد، تثبت القاهرة مجدداً أنها ليست مجرد وسيط نزيه بل هي الشريك والمصير والظهير الاستراتيجي الذي لا ينكسر، لتشرق من ضفاف النيل شمس الأمل الجديد الذي سينير ظلمات غزة ويعيد لها ولشعبها الكرامة والحياة التي تليق بتضحياتهم وصمودهم الأسطوري أمام قسوة التاريخ.