الأطفال لا يولدون منحرفين.. وأصابع الاتهام لإهمال الأسرة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


لا يولد الأطفال منحرفين، وإنما هم ضحايا الإهمال الأسري الذي يأخذ أشكالاً وصوراً عدّة نتج عنها خروج الطفل عن القيم والمعايير السلوكية والأخلاقية والقانونية وتبنّي سلوكات غير سوية مخالفة للأعراف الاجتماعية أو القانونية، لتصنع منه طفلاً منحرفاً تدفع به إلى مواجهة مجتمع لا يرى فيه سوى الجريمة، متناسين جذور الانحراف الأولى.
وجه عدد من المتخصصين في علم التربية الاجتماعية والنفسية أصابع الاتهام في نشوء طفل منحرف، نحو الأسرة التي قد تشكل أحياناً بيئة خصبة لانحراف السلوك في سنّ مبكّرة، مؤكدين أن من أبرز العوامل التي تؤدي إلى انحراف الأطفال هو التفكّك الأسري وضعف المتابعة واستخدام العنف أسلوباً تربوياً. مشيرين في الوقت نفسه إلى أن الطفل لا ينحرف فجأة، وإنما يصل إلى ذلك نتيجة تراكمات تبدأ من داخل المنزل، بفشل الأهل أو إهمالهم في أداء دورهم التربوي والرقابي.

مسار تأثيرات

قالت الشيخة عائشة بنت سعيد الشرقي، متخصصة اجتماعية: انحراف الأطفال من أخطر القضايا الاجتماعية التي تمسّ أمن المجتمع واستقراره، لأنه لا يظهر فجأة، ولا ينشأ من فراغ، بل يتكون عبر مسار طويل من التأثيرات التي تحيط بالطفل منذ بدايات نموه. فالطفل لا يولد منحرفاً بطبيعته، وإنما يصنعه محيطه أسرته ومدرسته ورفاقه، ووسائل الإعلام التي يتعرض لها، والأحوال الاقتصادية والنفسية التي يعيشها. وعندما تتراجع عوامل الحماية، وتتقدم عوامل الخطر، يصبح أكثر قابلية للانجراف نحو سلوكات مضرة، قد تبدأ سهلة ثم تتوسع تدريجاً إلى صور أشد تعقيداً. وأضافت أن فهم البيئة المؤدية إلى انحراف الأطفال لا يعني تبرير السلوك الخطأ، بل تحديد الجذور كي تكون المعالجة واقعية وعادلة. فالاكتفاء بإدانة الطفل أو وصفه بالفشل قد يزيد الأمر سوءاً، لأنه يتجاهل أن كثيراً من الانحرافات رسائل استغاثة صامتة، أو محاولات يائسة لتعويض نقص في الأمان والاحتواء والعدالة.

الأسرة أولاً

وقالت: تأتي الأسرة في مقدمة العوامل المؤثرة، فهي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الحب والحدود والانضباط. والأسرة المستقرة، التي توفر الاحتواء والحوار والمتابعة، تُشكل حاجزاً وقائياً قوياً في مواجهة الانحراف. والإهمال من أكثر العوامل انتشاراً وتأثيراً، لأنه لا يترك آثاراً ظاهرة دائماً، إلّا أنه يُضعف تدريجاً ثقة الطفل بنفسه وبالآخرين، حيث إن الطفل المهمل يشعر بأنه غير مهم، واحتياجاته لا تُرى ولا تُسمع. ومع الوقت قد يلجأ إلى سلوكات لافتة للانتباه، مثل التمرد أو الكذب أو العدوان أو الهروب أو مصاحبة رفقاء السوء، لأنها طرائق لتحقيق حضور مفقود. وأشارت إلى العنف الأسري، سواء كان جسدياً أو لفظياً أو نفسياً، ويُنتج طفلاً يعيش تحت ضغط دائم. وقد يتبنى سلوكات دفاعية عدوانية، أو يطور استجابات انسحابية، وفي كلتا الحالين تتراجع قدرته على اتخاذ قرارات صحيحة، وتتزايد احتمالات اندفاعه نحو أنماط سلوكية خطِرة.

الأحوال الاقتصادية

وذكرت أن الأحوال الاقتصادية تُشكّل عامل ضغط لا يمكن تجاهله. كما يشكل أحياناً ضغطاً نفسياً على الوالدين، ينعكس توتراً وإهمالاً داخل البيت. وفي بعض الحالات قد يدفع الحرمان الطفل إلى البحث عن مصادر بديلة، وقد تقع هذه البدائل في مناطق رمادية أو سلوكات خطأ، ومن المهم التمييز بين الفقر حالةً اقتصاديةً، أو بيئة حرمان شاملة. فهناك أسر محدودة الدخل لكنها غنية بالاحتواء، وتستطيع حماية أبنائها بالقيم والوقت والمتابعة. وفي المقابل، توجد أسر ميسورة لكنّ أبناءها يعانون الإهمال العاطفي، أو الإفراط في التدليل، أو غياب الحدود، ما يجعل الانحراف ممكناً أيضاً.

مجروح لا فاسد

وقالت الدكتورة بدرية الظنحاني، خبيرة بناء شخصية الطفل، ومدربة معتمدة في حماية حقوق الطفل، أن الطفل المنحرف غالباً طفل مجروح لا فاسد وما يحتاج إليه احتواء منضبط لا تساهل أعمى ولا قسوة مدمّرة، وتم إعداد دليل تدريبي للأسر وتصميم برنامج وقائي للمدارس، وإعداد محاضرات وورش احترافية لتوعية الأسر بكيفية حماية الطفل من الانحراف، لأن الوقاية أسهل من العلاج، ومن أهم ركائزها العلاقة العاطفية الآمنة وأن يشعر الطفل أنه مسموع ومحبوب من دون شروط، والحوار اليومي الذي يعد أهم من المواعظ والابتعاد عن الإهانة أوالمقارنة أو التهديد.

ضرورة القدوة

وأشارت إلى ضرورة وجود قدوة داخل الأسرة، حيث إن الطفل يقلّد أكثر مما يسمع. كما أن سلوك الوالدين بقول الصدق وضبط الغضب واحترام الآخرين هو المدرسة الأولى إلى جانب المراقبة الذكية البعيدة من القمع، ومعرفة أصدقاء الطفل من دون تجسس ومتابعة المحتوى الرقمي بهدوء واتفاق مسبق، ووضع حدود واضحة ومبررة. ومن المهم تربية الطفل على القيم لا على الخوف وربط القيم بالواقع وليس العقاب.
وأكدت وجود علامات مبكّرة لانحراف الطفل، مثل العزلة المفاجئة أو العدوانية والكذب المتكرر والتراجع الدراسي الحاد ورفقة مشبوهة وإدمان الهاتف أو المحتوى غير المناسب أو الاستهزاء بالقيم أو السلطة الأسرية، باكتشاف علامات الانحراف مبكراً يكون العلاج أسهل.
وقالت: على الأسرة التي تكتشف وجود بوادر انحراف لدى الطفل، أن تتجنب الضرب أو الفضيحة، أو الطرد أو التهديد، أو وصفه بالفاشل أو المنحرف أو غيرها، حيث إن هذه التصرفات تعمّق الانحراف ولا تعالجه. موضحة أن الخطوات الصحيحة للتعامل مع الانحراف هي الهدوء أولاً، لأن رد الفعل الغاضب يغلق باب الإصلاح والهدف هو فهم السبب قبل الحكم. كما يتطلب جلسة حوار آمنة مع الطفل وتوجيه بعض الأسئلة مثل: ماذا حدث؟ ومتى؟ وماذا تشعر؟ ويجب على ولي الأمر الاستماع أكثر من التحدث.

السبب الحقيقي

وأضافت: يجب تحديد السبب الحقيقي للانحراف وقد يكون غالباً الفراع العاطفي أو ضغط الأصدقاء أو مشاكل نفسية أو عنفاً أو إهمالاً أو فضولاً بلا توجيه، ومن ثم وضع خطة إصلاح واضحة تتضمن تقليل الاحتكاك بالمصدر السلبي وتخصيص أوقات للأنشطة، مثل الرياضة أو تنمية المهارات أو الالتزامات الاجتماعية، ومتابعة الطفل متابعة تدريجية بعيدة عن الرقابة بخوف، وطلب مساعدة مختص نفسي أو تربوي عند الحاجة.

مؤشرات تنبيه

وقالت أروى عبدالله معوض، عضو في «جمعية الإمارات لحماية الطفل»، إنّ تربية الأطفال تؤدي دوراً حاسماً في بناء الشخصية وتشكيل الصحة النفسية منذ السنوات الأولى، فلا يمكن للطفل أن يكون محصناً نفسياً إذا نشأ في بيئة غير سليمة يسودها الصراخ والتوتر المستمر.
وأشارت إلى أن الطفل لا يملك القدرة على تفسير تساؤلاته الداخلية مثل: لماذا أمي منشغلة عني؟ ولماذا يغضب أبي عندما أبكي؟ لكنه يترجم هذه المواقف داخلياً على أنها دليل على أنه غير محبوب، أو أنه مطالب بتغيير نفسه كي ينال القبول. ومع تكرار هذه التجارب، تتكوّن في داخله معتقدات سلبية راسخة، فيشعر بأنه غير مهم، أو عبء على الآخرين، أو غير مستحق للحب. ومن هنا تبدأ جذور ضعف تقدير الذات، والتعلّق المرضي، أو تجنّب العلاقات الإنسانية.

مؤشرات دالّة

وأشارت إلى بعض المؤشرات التي قد تدل على أن الطفل على مشارف الانحراف السلوكي أو القيمي، ومنها تغيّر واضح في سلوكه أو طباعه، والميل للعزلة أو العصبية المفرطة، وفقد الاهتمام بالدراسة أو بالأنشطة التي كان يستمتع بها، والميل للكتمان أو إخفاء التفاصيل، والنفور المتزايد من محيطه الأسري، مع بحث محموم عن القبول خارج البيت. وغالباً ما يصاحب ذلك ضعف في تقدير الذات، أو مشاعر ذنب غير مبررة، أو سلوكات متطرفة بين العدوان والخضوع، وكلها مؤشرات لا تعكس انحرافاً بقدر ما تعبّر عن احتياج نفسي عميق لم يُلبَّ.
وقالت: الانحراف في حقيقته ليس بداية المشكلة، بل نتيجتها. وحين تُقابل مؤشرات الانحراف بالقسوة أو الاتهام، تتعمّق الفجوة بين الطفل وأسرته، أما حين تُقابل بالفهم والاحتواء والحوار الآمن، فإن الفرصة لا تزال قائمة لإعادة التوازن النفسي وبناء الثقة من جديد. ولهذا، حين نقول إن التربية تصنع الإنسان أو تكسره، فإننا لا نعني التعليم والانضباط وحدهما، بل نعني قبل كل شيء كيفية تعامل الأب والأم مع مشاعر الطفل، مع غضبه وضعفه، ومع حاجته إلى القبول غير المشروط. فالشعور بالحب غير المشروط في الطفولة هو خط الدفاع الأول ضد معظم الاضطرابات النفسية والانحرافات السلوكية في المستقبل.

تعديل قانوني

ذكر المستشار القانوني والمحامي أحمد محمد بشير، أن دولة الإمارات حرصت على مواكبة أفضل الممارسات القانونية لمتابعة وحماية الأسرة والطفل وحفظ حقوقهم. مشيراً إلى صور تعديل قانوني جديد يتضمن إضافات مهمة تؤكد مسؤولية الأسرة جزائياً، تأكيداً من المشرع القانوني على أهمية دور الأسرة في متابعة وتقويم الأبناء.
وأضاف: على الأسرة وفقاً للتعديلات الأخير في القانون دور، ويقع على عاتقها مسؤولية كبيرة في متابعة الأطفال وسلوكاتهم. وأغلبية جرائم الأطفال تقع بعد الساعة 11 مساء، وهذا يستدعي رقابة الأهل للأبناء وعدم السماح لهم بالخروج من المنزل في أوقات متأخرة.
وقال إن أكثر القضايا المنظورة أمام المحاكم أو الأكثر شيوعاً وتقع فيها المسؤولية على الأهل، هي إهمال الأطفال وتركهم من دون متابعة، سواء في الأماكن العامة أو الأسواق أو غيرها، لأوقات متأخرة، وهو ما قد ينتج عنه شجارات أو التعرف إلى رفقاء السوء أو التعاطي أو التحرش وهنا يُسأل الأهل.
وأشار إلى بعض التصرفات التي تصدر عن بعض الأطفال بدفع من أحد الوالدين للانتقام من الآخر، خاصة في حال وجود خلافات أسرية ودعاوى الطلاق وإسقاط الحضانة، أو ترك طفل لأوقات طويلة مع العمالة المنزلية مع وجود خطر على حياته.

الفعل الشخصي

وذكر أن القاعدة المتعلقة بمسؤولية الأسرة عن فعل الطفل، تشير إلى أنه بالأصل لا مسؤولية جزائية إلا عن الفعل الشخصي، ولا يُسأل شخص جزائياً عن فعل غيره ولو كان ابنه، وبناء عليه لا تسأل الأسرة جزائياً تلقائياً عن جريمة يرتكبها الطفل إلا في حالات استثنائية حددها القانون. وأضاف أن الطفل دون سن 12 منعدم المسؤولية الجنائية كلياً ولا تقام عليه دعوى جزائية، وفي هذه الحالة تنتقل المعالجة من العقاب إلى التدابير، وتجري مساءلة الأسرة تربوياً وتقويمياً، فقط ولا مسؤولية جزائية إلا إذا ثبت تقصير جسيم أو اشتراك.

وأوضح أنه من سن 12 إلى ما دون 18، فإن الطفل يكون مسؤولاً مسؤولية جنائية ناقصة وتطبق عليه تدابير إصلاحية لا عقوبات جنائية تقليدية. وتشمل التدابير التوبيخ والتسليم لوليّ الأمر والإيداع في مؤسسة رعاية والمراقبة الاجتماعية، وفي هذه الحالات الأسرة لا تسأل جزائياً عن فعل الطفل إلا إذا ثبت الاشتراك أو تحريض الطفل أو مساعدته أو اتفق معه أو سهل له ارتكاب الجريمة، وهنا يسأل الولي فاعلاً أصلياً أو شريكاً.

الاستثناءات

وأضاف أن الاستثناءات التي تُسأل فيها الأسرة جزائياً عن فعل الطفل تشمل الإهمال الجسيم المؤدي للجريمة، وذلك إذا ثبت أن الجريمة وقعت بسبب إهمال فادح، أو ترك طفل من دون رقابة أو تعريضه للانحراف أو الخطر، مثل تمكينه من سلاح أو تركه يقود مركبة، أو التغاضي عن تعاطي مواد محظورة، وفي هذه الحالات تقوم مسؤولية جزائية مستقلة على الولي، وليست مسؤولية عن فعل الآخر، بل عن فعل الإهمال ذاته. كما تقوم المسؤولية الجزائية في حال عدم الإبلاغ عن الجريمة، إذا علم الولي بارتكاب الطفل جريمة جسيمة وفي هذه الحالات تقوم المسؤولية الجزائية عن الامتناع وليس عن الجريمة الأصلية.
وعن الحالات الأخرى التي يُساءل فيها الولي، تعرض الطفل للجنوح إذا ثبت أن الأسرة دفعت الطفل للانحراف أو شجعته على التسول أو الجريمة أو استغلته مادياً أو إجرامياً، وهنا تكون المسؤولية جنائية على الأسرة.
وأكد أن العقوبات التي صدرت جاءت مشددة جداً، حتى يتحمل الأهل مسؤولية أبنائهم ولا يستغلوهم لأي غرض غير قانوني مهما يكن السبب. 



‫0 تعليق

اترك تعليقاً