عندما نتحدث عن أكراد سوريا، فإننا نتحدث عن مكون أساسي من مكونات الشعب السوري لعب دوراً أساسياً في تاريخها ونهضتها واستقلالها ووحدتها، وفي كل معاركها ضد العثمانيين والفرنسيين. ولم يكن الأكراد يوماً دعاة انفصال أو حكم ذاتي، كما هو حال أشقائهم الأكراد في تركيا والعراق، ولم يراهنوا يوماً على الأجنبي لتحقيق أهدافهم، ولم يركبوا موجات التحالفات الإقليمية التي لم تحقق لهم في البلدين إلا الخسارة.
في سوريا كان الأكراد جزءاً من النسيج الوطني، اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، واندمجوا فيه كمكون وطني خارج أي اصطفافات عرقية أو عشائرية أو مذهبية، وكان منهم أول رئيس للجمهورية في عهد الانتداب الفرنسي هو محمد علي العابد، ثم حسني الزعيم، وفوزي سلّو، وأديب الشيشكلي، وشارك الأكراد في قيادة الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين، وكان من بينهم إبراهيم هنانو، إضافة إلى الفريق يوسف العظمة وزير الحربية الذي استشهد في معركة ميسلون عام 1920 ضد قوات الجنرال الفرنسي غورو، الذي قال كلمته الشهيرة «لن يكتب التاريخ أن الفرنسيين دخلوا دمشق من دون مقاومة».
إذاً، يبدو قيام تنظيم مسلح كردي (قوات سوريا الديمقراطية) خارج السياق الكردي العام، ويشكل علامة فارقة في التاريخ الكردي السوري. وإن كانت الظروف التي أدت إلى قيام هذا التنظيم بعد عام 2011 جراء حالة السيولة الأمنية والسياسية التي رافقت بداية الحرب الأهلية، وسوء تعامل النظام مع الحراك الشعبي آنذاك، مبرراً، إلا أنه كان مستهجناً لأنه كان مسلحاً وليس سلمياً، ويدعو إلى الانفصال عن الجغرافيا السورية بحجة ما يسمى «الإدارة الذاتية».
لقد استغلت الولايات المتحدة الفرصة، ولعبت دوراً أساسياً في دعم «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) وتمكينها من السيطرة على أجزاء واسعة من شمال شرق سوريا، خصوصاً حقول النفط والغاز، لكنها الآن، بعد سقوط النظام السابق ووصول الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة، يبدو أنها قلبت ظهر المجن للأكراد، وأعطت السلطة الجديدة الضوء الأخضر لاسترجاع الأراضي الواقعة تحت سيطرتهم ووضعها تحت السيادة السورية الرسمية، ذلك أن واشنطن تتصرف بالنسبة للملف السوري وكل الملفات الأخرى وفقاً لمصالحها، بحيث تنتفي مصلحتها مع الأكراد طالما أن مصالحها تتحقق من خلال الحكومة السورية.
وإذا كانت القيادة المركزية الأمريكية حثت القوات الحكومية على وقف عملياتها الهجومية في المناطق الواقعة بين حلب والرقة والسعي نحو الحوار لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار/ مارس الماضي بين الرئيس الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي، الداعي إلى دمج القوات الكردية في المؤسسة العسكرية السورية، لكن من الواضح أن هذا الطلب قد تجاوزته العمليات العسكرية بعدما تمكنت القوات السورية من احتلال معظم حقول النفط والغاز، والكثير من البلدات والقرى التي كانت في قبضة «قسد»، إضافة إلى سد الحرية (سد البعث سابقاً).
اللافت أن استرجاع القوات الحكومية المناطق التي كانت تقع تحت سيطرة «قسد» ترافق مع إصدار الشرع مرسوماً يمنح أكراد البلاد «حقوقاً وطنية»، معلناً «الكردية لغة وطنية، وتمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم، ويعتبر عيد النوروز (21 آذار/مارس) عيداً وطنياً، باعتبار أن «المواطنين السوريين الأكراد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري».
هذا القرار جاء كي يطمئن الأكراد أن حقوقهم مصانة ومعترف بها رسمياً في ظل الدولة السورية فقط، وليس في ظل قوات «سوريا الديمقراطية» أو «الإدارة الذاتية» أو غيرهما.