الحرية بين الواقع والوهم | عبد الاله بلقزيز

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


تُعلّمنا كتبُ الفكر الفلسفيّ والسّياسيّ الحديث سُبُل إدراك مكانة الحرية في تكوين الفرد والنّظام الاجتماعيّ الحديث، مثلما تُرشدنا إلى الوقوف بالأدلّة على لابدّيّتها في انبثاق المعارف وتقدُّمها. كلُّ شيءٍ، في العالم الحديث، متوقِّفٌ وجوداً على الحرّيّة أو معتازٌ إليها عند عتبةٍ مّا من تطوّره: بناءُ المواطن، توازنُ الدّولة، المشاركة في الشّؤون العامّة، ثورةُ الفكر وتراكُم المعارف، التّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة، التّنافسُ في الخَلق والابتكار، التّحقيقُ المادّيّ لمبدأ المساواة بين الجنسين، الثّقةُ الفرديّة والجماعيّة بالذّات… إلخ.
كأنّ الحرّيّة صارت إنزيماً للوجود الاجتماعيّ تنهض بدور تحفيزه على النّموّ والاستمرار بحيث لا سبيل إلى تصوُّر إمكان انتظام الاجتماع الإنسانيّ الحديث من دونها. من البديهيّ أن لا تكون جاذبيّةُ هذه الصّورة عن الحرّيّة متأتّاة من كونها صورةً ذهنيّة رسمتْها كتبُ الفلسفة والفكر السّياسيّ لهذه القيمة التي تحمل اسم الحرّيّة، بلِ المؤكَّدُ أنّ التّجربة التّاريخيّة الحديثة في إحلال الحرّيّة محلَّ القلب من النّظام الاجتماعيّ والسّياسيّ عزّزت، في الوجدان والوعي، تلك الجاذبيّةَ وأنْمت شعوراً جمْعيّاً بحاجة الاجتماع الإنسانيّ، علاقات ومؤسّسات، إلى هذه الحرّيّة بما هي ديناميّةٌ دافعة…
من السّهل أن نجد من يقول إنّه قد يكون المرء في غير حاجةٍ إلى معرفةٍ ذهنيّة – فلسفيّة أو سياسيّة – بالحريّة لكي يدرِك حاجةَ الإنسان الفرد، وحاجة المجتمع، إليها، وقد لا تضيف تجربةُ قومٍ آخرين يعيشونها شيئاً آخر إلى معناها المركز في النّفس عنده، إذْ هي – عند مَن يذهبون إلى هذا الرّأي – فطريّةٌ سابقة لكلّ اكتساب. ولكن من الصّعب أن يعثُر القائل على سبيلٍ إلى البرهنة على صحّة رأيه القائل إنّ الحرّيّة معطى طبيعيّ قَبْليّ، حتّى وإنْ كان مثلُ ذلك القول ممّا قد يخْدِم قضيّة النّضال من أجل الحرّيّة ويُبْطِل دعاوى مناهضيها بتعلاّت منها أحكامُ الطّبيعة أو أحكام الدّين وما في معنى ذلك من مبرّرات كابحة. والحقُّ أنّ الحرّيّة معطًى سياسيٌّ- اجتماعيّ يصطنعه النّظام الاجتماعيُّ- السّياسيّ من أجل تنمية كيانه. لذلك لا يستطيع أن يدرك فضائل الحرّيّة ومنافعها إلاّ مَنِ استدلّ على تلك الفضائل والمنافع من واقعها المتحقِّق وتَمتَّع بنتاجِه وثماره!
على أنّ المتأمّل في أوضاع الحرّيّة في العالم، اليوم، على تبايُن أنصبة المجتمعات منها وتفاوُتها، لا يملك أن يمنع نفسه من ملاحظة فجوتيْن فيها تصنعان معاً مفارقةً صارخة في صورتها كما هي ترتسم في وعي النّاس، وتضعان استفهاماً حول صدقيّة الخطاب عنها:
أولاهما الفجوةُ بين مفهوم الحرّيّة وواقعها الفعليّ حتّى في البلدان التي شهدت على تحقُّق الحرّيّة فيها. يشير المفهوم إلى حالةٍ من تمتُّع الأفراد باستقلالٍ ذاتيّ نسبيّ، في نطاق انتمائهم إلى الدّولة وخضوعهم لقوانينها، فيما تكشف الهندسةُ السّياسيّة للمجتمع عن صُوَرٍ متعدّدة لكبْح الحرّيّات ومصادرتها أو توجيهها وجهةً سلبيّة استهلاكيّة!
ثانيهما الفجوةُ بين واقع الحرّيّة في بلدان الغرب وواقعها في بلدان الجنوب. ليس من تناسُبٍ بين الواقعيْن على الرّغم ممّا توحي به الدّساتيرُ والقوانين القائمة في بلدان عالم الجنوب، أو ممّا يوحي به الخطاب الحقوقيّ الدّوليّ السّائد اللاّهج بـ «كونيّة» قيمة الحرّيّة.
تتأدّى بنا الملاحظتان السّابقتان إلى اشتقاق الموقف المناسب إزاء هذه الحال من الامتناع التي تغشى الحرّيّة في المجتمعات الإنسانيّة اليوم، أمّا الموقف الذي نعنيه فهو موقف النّقد لأوضاع الحرّيّة في العالم: ما امتنعَ منها، وما انعدم، وما تُحُويِلَ عليه بالاستيعاب والاحتواء، وما فاض عن حدّه… إلخ. جميعُها حالات تحتاج إلى الفحص عنها ومعايرتها بمعيارٍ نقديّ. غير أنّ أكثر ما يحتاج إلى نقدٍ/نقض أو إلى دحض هو ذلك التّبرُّج الذي تبدو به أزعومة «كونيّة» الحريّة في الخطاب اللّيبراليّ العولميّ اليوم. إنّها الأزعومة التي لا تكفّ عن تعريف الأشياء بقلبها، إذْ يكفي عندها أن تكون بلدان الجنوب قد «اختارت» نظام الاقتصاد الحرّ، والنّظام السّياسيّ الانتخابيّ، لتكون قد وطّدت أركان الحرّيّة، ولكي تصبح هذه كونيّة. أمّا استبعادُها والاستعباد فيها فمحجوبان في خلفيّة الصّورة!

[email protected]



‫0 تعليق

اترك تعليقاً