اختتمت، مساء الخميس، عروض مهرجان المسرح العربي، بعد أيام حافلة بالفرجة والتنافس الفني، شهدت حضوراً جماهيرياً لافتاً ونقاشات نقدية عميقة، عكست حيوية المشهد المسرحي العربي وتنوع تجاربه. وجاء ختام العروض تتويجاً لمسار فني مكثف، قدمت خلاله الفرق المشاركة رؤى متباينة في الأسلوب والطرح، تراوحت بين التجريب الجمالي، والاشتغال على القضايا الإنسانية والاجتماعية، واستلهام الذاكرة والواقع السياسي بلغة مسرحية معاصرة.
شهدت فعاليات اليوم الأخير تقديم عرضين هما «مرسل إلى» من مصر، و«فريجيدير»من الأردن، حيث قدم كل عمل مقاربته الفنية الخاصة، سواء على مستوى بناء النص أو الرؤية الإخراجية والاشتغال على الجسد والفضاء المسرحي، وجاء العرضان ليختتما المنافسة ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان، وسط متابعة دقيقة من لجنة التحكيم وحضور نقدي كثيف، في دورة أكدت مجدداً مكانة مهرجان المسرح العربي كفضاء جامع للتجارب العربية، ومنبراً للاحتفاء بالاختلاف الخلاق وتنوّع الأساليب المسرحية.
ذاكرة
على مسرح السامر بالقاهرة قدمت مسرحية «مرسل إلى»، لفرقة بيت ثقافة السنبلاوين التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، من تأليف طه زغلول وإخراج محمد فرج، في تجربة فنية تطرح الحرب كتجربة إنسانية بذاتها تتجاوز الأجندات السياسية، لتصل إلى قلب الوجدان الإنساني.
ينطلق العرض في مشاهده الأولى وسط ساحة الحرب بين فرنسا وألمانيا، ليتناول في جوهره مفهوم الحرب والسلام من زاوية فنية وإنسانية عميقة، عبر قصة جندي فرنسي يعود في ذكرياته إلى معاناته خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، في محاولة لاستعادة أسباب اندلاعهما وتأثيراتهما في الفرد والمجتمع، في تأمل درامي في عبثية الحرب وتكرارها عبر الزمن، وهو ما يعكس رؤى المؤلف في أن التاريخ يعيد نفسه في أشكال متعددة، وأن المأساة الإنسانية الخاصة بالحرب، لا تتراجع مع تغير الأزمنة، أو المواقع الجغرافية.
وجاءت الرؤية الإخراجية، معتمدة على سفر الذاكرة كأداة درامية مركزية، ما يجعل الخط الزمني في المسرحية متداخلاً بين الماضي والحاضر، ليخدم هذا الأسلوب فكرة العرض بطرحه تساؤلات فلسفية، تتعلق بمعنى الحرب نفسها، وتراكمات الصراعات الأخلاقية والسياسية التي تفلت من إدراك الإنسان، جاعلاً من النص قريباً من التجربة الإنسانية الفردية أكثر من كونه سرداً تأريخاً للوقائع.
ثيمة
استطاع المخرج من خلال 3 حكايات لأم تسعى للقاء ابنها الجندي على الجبهة، وأب عامل بسيط يحب بلده ويؤمن بقيم الدفاع عنها يفترق عن ابنته بسبب التحاقه بالجبهة للدفاع عن بلده ومبادئه، بالإضافة إلى حكاية صداقة جنديين متحاربين على الجبهة، في تحويل الحرب في المسرحية إلى قناع مجازي يختفي وراءه الإنسان بكل تناقضاته،سواء خوفه من الفقد أو بحثه عن السلام، وعجزه عن فهم دوافع الصراع، تتغلغل هذه الثيمة في أداء الممثلين، حيث لعبت الشخصيات دوراً في تعميق التوتر الدرامي بين ويلات الحروب والسعي إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإنسانية.
وحققت السينوغرافيا في العرض توازناً بين الواقعية والرمزية، فقوالب الديكور المتحركة والإضاءة والموسيقى تستحضر جو المواجهة الداخلية في نفس المتلقي، وهو ما وضع الجمهور في حالة تأمل بدلاً من المشاهدة الخالصة، كيف يمكن أن تكون الحرب تجربة شخصية تعكس ما بداخلنا من صراعات متراكمة، في عمل إنساني يؤرخ لحالة العالم والإنسان الذي يقع ضحية أحداثه الكبرى.
أسئلة
على مسرح السلام جاء عرض «فريجيدير»، الذي أثار اهتمام النقاد والجمهور معاً، حيث نجد عرضاً يذهب أبعد من الشكل التقليدي للمسرح، ليكون تأملاً وجودياً في الحياة والموت والذاكرة، ورمزاً لصراع الإنسان مع ما كبت في داخله من آلام وأفكار لا تحتمل، العرض من تأليف الكاتب الأردني هزاع البراري ومقتبس من رواية «زمن اليباب»، وإخراج الحاكم مسعود.
قدمت «فريجيدير» مشهداً مسرحياً مكثفاً رمزياً وفلسفياً بعيداً عن السرد الخطي أو السرد الواقعي المباشر، عنوان العمل والذي يرمز إلى الثلاجة التي تحفظ الموتى، تحولت على الخشبة إلى مشهد نفسي عميق يوحي بالثلاجة التي تحفظ أيضاً ما في روحنا من ذكريات ومشاعر مجمدة تنتظر أن نواجهها يوماً، الثلاجة هنا ليست مكاناً حرفياً للأجساد بقدر ما هي استعارة لما نخزنه من آلام، ومشاعر مكبوتة، وذكريات لا نجرؤ على فتحها.
تدور أحداث المسرحية داخل فضاء رمزي يمتزج فيه الأداء الحركي والجسدي مع موسيقى وإيحاءات بصرية، تسهم في بلورة الأسئلة والرمزيات التي يطرحها النص، مع أداء جسدي موزون ومدروس بعناية، يربط بين الجسد والفكرة، وبين الكلمة والدلالة، تتصارع شخصيات تجسد حالة الرفض والرغبة في الخلاص، مع شخصية حارس المشرحة، الذي جسده الفنان غنام غنام، الذي يحاول الحارس حبس موتاه داخل الثلاجة وكأنه باستمرار يريد إرجاء موتها الخاص، ليفتح الباب أمام تساؤلات عن معنى الوجود ذاته، وما يمثله الموت نهاية أم بداية، فناء أم تحول.
رؤية
العرض لا يكتفي بعرض صراع داخلي لشخصية الحارس، وإنما يتوسع لإشراك المتفرج في حوار وجودي حول ما إذا كنّا نملك جرأة مواجهة ما كبتناه في داخلنا، أم سنظل نعيش في عالم من الثلج الأسود، حالة جامدة لا نطلب فيها بداية جديدة ولا وداعاً حقيقياً.
جاءت الرؤية الإخراجية متكئة على خلق تجربة فنية تعاونية تجمع بين الإخراج والسينوغرافيا والموسيقى والأداء الجماعي، بحيث لا يطغى عنصر على آخر، بل تتكامل العناصر في فضاء الخشبة وتجعله وسيلة تأمل ذاتية وإثارة فلسفية تتخطى حدود المسرح، ما يعكس رغبة حقيقية لدى المخرج في أن يعالج العرض قضايا إنسانية وجودية عميقة،من خلال الدمج بين الرمزية، والفلسفة، والجسد الكاشف، ليستنطق الوجود ويساءل الحياة والموت والذاكرة في تجربة فنية تلامس وجدان المتفرج وعقله في آن واحد.