من يملك القوة يكتب التاريخ ويرسم ملامح الحاضر والمستقبل، يغير القوانين ويبدل الأيديولوجيات ويفرض قناعاته على الحلفاء والأعداء، وينشر الارتياب والشك على مليارات الكوكب الثمانية. يقول ما يشاء ويفعل ما يشاء، وعلى الآخرين السمع والطاعة والتسليم بإرادته وتبنّي نظرياته بصرف النظر عن مدى قناعتهم أو عدم قناعتهم بها، ومن يرحب بها ويقرؤها بعقل السيد القائل فهو تحت مظلة الحماية أو على الأقل خارج دائرة القذف والقصف، ومن يرفضها فله ولحلفائه الويل والثبور حتى لو استدار واعتدل وغيّر مواقفه وتنازل عن قناعاته. فمالك القوة والسلطة والقرار يستطيع البطش بمن يشاء من الأقربين والأبعدين، وطالما أن قوته يمكن أن تطال من تشاء أينما كان فإن الكل في مرماه.
علمونا في الماضي أن من يملك القوة يملك الحق ويفرض العدالة وينشر القيم، ولكنه لم يكن سوى كلام إنشائي يغاير وقائع التاريخ المليء بالحروب والصراعات التي أراقت دماءً ونشرت خوفاً وهلعاً عبر كل العصور، وانتصر فيها القوي الذي شكل إمبراطوريات واستعمر أراضي ونهب ثروات وأفنى دولاً وصنع غيرها ترتهن بإرادته، فالقوي عبر التاريخ كانت له الكلمة العليا وكان هو صاحب الحق في تقرير مصير غيره.
الواقع الذي نعيشه اليوم يؤكد أن ما تعلمناه عن عدالة القوي وانحيازه للحق وسعيه لنشر قيم حقوق الإنسان والديمقراطية وحرية التعبير والحق في المعارضة لم تكن سوى أوهام، وأن عقولنا ملئت بأكاذيب تفوق تلك التي امتلأت بها كتب التاريخ والتي نشرها في الفضاء الإنساني الإعلام الموجه المرهون لإرادة أباطرة المال صناع الساسة، وعممتها على سكان البشرية وسائل ووسائط التواصل الاجتماعي التي تفوقت على الإعلام كذباً وتدليساً، واليوم كل هذه الأدوات ملك يمين مالك القوة والسلاح، يسخرها لنشر رؤاه والدفاع عن قناعاته وترويج قيمه والعبث بمقدرات أعدائه.
القوي غيّر أساليبه للاستحواذ والسيطرة عبر العصور، احتل واستعمر دولاً وأقام فيها وأدار شؤونها بنفسه، ثم سيطر وقرر وفرض ما يشاء عبر وكلاء له، ثم حرّض وصنع فتناً بين أبناء الشعب الواحد وأشعل حروباً أهلية وتركهم يقتلون بعضهم ويخربون بلادهم بأنفسهم، ابتدع لعبة العبث بالديانات والعرقيات ليحقق إرادته، ويدفع البعض للاستنجاد به باعتباره حارس القيم والحريص على حق البشر في حياة أفضل، فرض نظاماً عالمياً وشكل مؤسسات دولية ووضع قانوناً دولياً وقانوناً إنسانياً وطلب من الجميع الالتزام به. واليوم بعد أن وجد أن هذا النظام الدولي لا يحقق له مراده، وأن بعض المنظمات الدولية تتمرد على إرادته وتسعى لتطبيق القانون الدولي، انقلب عليه.
النظام العالمي الذي عاش العالم في ظله منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية لم يعد يناسب إرادة الأقوياء، وأساليب الاستحواذ والسيطرة غير المباشرة على ثروات الغير لم تعد تلبي طموح وجموح الأقوياء، ولذا فقد أصبح اللعب على المكشوف، ولعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الأكثر وضوحاً وتعبيراً عن ضرورة تغيير شكل العالم ومناهج التعامل بين الدول. الدبلوماسية الناعمة لم تعد تصلح لتحقيق المطلوب، والحل كما ترى الإدارة الأمريكية الحالية في اتباع الدبلوماسية الخشنة التي تصاحبها القوة العسكرية. الحروب المشتعلة في عدة أماكن على الكوكب ليست سوى إرهاصات لما سيكون عليه النظام العالمي المستقبلي.
نعيش منذ أربع سنوات يوميات الحرب الروسية الغربية في أوكرانيا، واستمرت الحرب الإسرائيلية على غزة عامين وامتدت شظاياها إلى الضفة ولبنان وسوريا وإيران، ورغم اتفاقيات وقف النار إلا أنها ما زالت مستمرة وستشتعل مجدداً لأن الطرف الأقوى يريد أن يفرض واقعاً جديداً ولا ترضيه النتائج، وبعد اختطاف أمريكا للرئيس الفنزويلي ارتأت الإدارة المؤقتة في فنزويلا الاستجابة للمطالب الأمريكية خشية العواقب، ويعيش العالم حالة ترقب لما سيحدث في غرينلاند والذي يمكن أن ينهي تحالفاً أوروبياً أمريكياً امتد لأكثر من سبعين عاماً.
العالم على أبواب مجهول يعيد زمن الإمبراطوريات ويمجّد القوة ويفرض على الجميع الهرولة لتقوية جيوشها وتسليحها أملاً في أن تكون الوسيلة التي تحميها من نيران يمكن أن تشعل الكوكب..
[email protected]