سباق الطاقة وصفقة الكهرباء المليارية: كيف تحمي جوجل ثورتها في الذكاء الاصطناعي؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


كلنا نعلم أنّ الذكاء الاصطناعي ليس مجرد برنامج، بل هو قوّة استراتيجية تحركها الكهرباء. ومن يمتلك الكهرباء يمتلك العالم، أو على الأقل مفاتيح تشغيله. لذلك، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مشروع خوارزميات، بل أصبح مشروعاً للطاقة. وراء تلك الواجهات البرمجية المبهرة والنماذج الذكية التي تحاكي العقل البشري، تختبئ أزمة أكثر صمتاً وخطورة: أزمة الكهرباء، التي لم تعد كافية لضخ البيانات وتخزينها، خاصة مع تزايد الطلب المتسارع من الشركات الكبرى على الطاقة، في ظل شبكات تقليدية متهالكة. الطلب هنا لا ترحمه قوانين الفيزياء الصارمة ولا البيروقراطية الحكومية.
هنا يبدأ السباق الحقيقي: ليس على الذكاء أو على الكود المبتكر، بل على من يمتلك مفاتيح تشغيله. تشير الوقائع إلى تحوّل استراتيجي واضح لدى عمالقة التكنولوجيا نحو ضمان طاقة مستدامة لمراكز البيانات. فشركة “إيتون” تستحوذ على “فايبر بوند” لتأمين البنية التحتية الكهربائية، وشركة “ميتا” توقع عقود شراء طاقة طويلة الأجل لتغذية مراكز بياناتها، بينما تعتمد “أوبن آي” نموذج الشراكات واستئجار القدرة والطاقة معاً، مراهنة على تحمّل الشركاء عبء الشبكات والقيود التنظيمية.

أما “ألفابت”، الشركة الأم لجوجل، فقد اختارت الحل الجذري، بالاستحواذ على شركة الطاقة “إنترسيكت” مقابل 4.75 مليار دولار نقداً، مع تحمّل ديونها، في خطوة تتجاوز البرمجة إلى امتلاك المصدر بالكامل. هذه الصفقة ليست مجرد توسع مالي، بل إقرار ضمني بأن الشبكات الحالية لم تعد قادرة على حماية ثورة الذكاء الاصطناعي.
شراء شركة كهرباء من قبل شركة ذكاء اصطناعي يشكل تصريحاً غير معلن: الخوارزمية خسرت بالفعل أمام الفيزياء. لا معنى لوجودها من دون كهرباء، فمالك المحوّلات الكهربائية ومن يؤمّن الطاقة المستدامة هو من يقرّر من سيعمل غداً ومن يتخلف عن العمل. هذه الشركات العملاقة ملزمة بأن تحمي الثورة التي أوجدتها، والثورة لا غنى لها عن الفيزياء مهما تقدمت الابتكارات. ويبدو أننا في عام 2026 أمام صفقات استحواذ كبرى ستفرضها الحاجة، بأرقامها وواقعها الجيوسياسي.

الرواية الرسمية لجوجل تتحدث عن “تأمين المستقبل” وبناء محطات توليد موازية لمراكز البيانات ضمن نموذج اندماج رأسي يحمي المستخدمين من تقلبات الأسعار. غير أنّ هذا المنطق يكشف عن أزمة أعمق: الاستقلال الحقيقي لا يُشترى بالأصول، بل يُبنى بالتصميم. من يملك الرؤية لا يعتمد على الميزانية فقط، بل يمكنه تغيير قواعد اللعبة بابتكار حلول بديلة.
هنا يبرز السؤال الجوهري الذي يتجاوز جوجل نفسها: لماذا تعجز شركات تقود الذكاء الاصطناعي عن ابتكار حلول طاقة مستدامة، رغم امتلاكها رأس المال، والبيانات، والعقول؟ خمسة مليارات دولار كانت كفيلة بإشعال ثورة في كفاءة الحوسبة، أو تخزين الطاقة، أو ابتكار حلول استباقية لاستهلاك الذكاء الاصطناعي نفسه. لكن الخيار الأسهل كان شراء أصول مادية مثقلة بالديون. المال لا يعالج مشاكل الرؤية، بل يؤجل انفجارها. بعض الشركات لم تغلق ملف الكهرباء بالكامل، وإنما أجلته بالديون لأنها لم تحلّه بالابتكار أو الاستئجار أو الاستثمار. وهذا ليس نجاحاً، بل استسلام أو نوع من الكسل التقني لصالح القرار الاستراتيجي.
المخاطر اليوم لا تتوقف عند لغة الأرقام بالنسبة لجوجل، بل تمتد إلى هوية الشركة نفسها. حين تتحول جوجل من عملاق برمجيات وبيانات إلى مشغّل مرافق كهرباء، فإن كل دولار يُنفق على الأسلاك والتوربينات هو دولار لم يُستثمر في مختبرات البحث والتطوير، حيث كان يفترض أن يولّد الحل الجذري لحماية الذكاء بالذكاء نفسه.

في النهاية، لسنا أمام سباق خوارزميات، بل أمام سباق محموم على امتلاك الكهرباء. الفارق بين القادة والمالكين بسيط وخطير: القائد يعيد تعريف المشكلة، والمال يشتريها. يبقى السؤال مطروحاً: هل تحمي هذه الصفقات الذكاء الاصطناعي من الفشل، أم تكشف حدود التوقعات التي بُنيت حوله؟
من المؤكد أنّ الذكاء لم يُخلق لتجاوز قوانين الفيزياء، بل ليعمل ضمنها وبأقصى كفاءة ممكنة.
 



‫0 تعليق

اترك تعليقاً