نظم النادي الثقافي العربي في الشارقة، مساء أمس الأول الجمعة، أمسية أدبية بعنوان (السياب.. مطر الشعر الذي لا يتوقف)، تحدث فيها الدكتور د. غانم السامرائي أستاذ النقد والأدب المقارن، وأدارها الإعلامي الأمير كمال فرج.
وطرح الأمير كمال عدة تساؤلات حول استعادة السياب في راهن الأدب العربي، وتأثيرات الواقع، الاجتماعي والنفسي والثقافي، في تجربة السياب.
واستهل حديثه قائلاً: «نعرف عن السياب الكثير، لكننا حين نستذكره اليوم، ونستعيد حالة شعرية لا نزال نعيشها، فهو يثير إشكالات كبرى، ويطرح أسئلة كبرى، فلماذا السياب اليوم، في زمن النصوص السريعة، والصورة الخاطفة، والجرعات الفكرية الوامضة، التي تنافي مطولاته وصوره الواسعة وفكره العميق؟».
لقد كتب السياب حين بدأ المعنى يتصدع، ونحن اليوم نعيش اكتمال هذا التصدع، نعيش هشاشة المعنى، وربما غيابه، فالسياب كان شاعراً بداية الأزمة، وحين نتذكره فإننا لا نستدعي شاعراً من أرشيف الحداثة، بل نوقظ حالة شعرية لا تزال تعمل في وعينا، فهو ليس اسماً في كتاب، لكنه كتاب لا يغلق.
وقسّم السامرائي حديثه عن السياب إلى محورين: الأول: (شعر السياب والقلق الجمالي)، تحدث فيه عن تحول التشبيه والرمز في شعره من الوصف البسيط إلى الأسطورة التي أصبحت بنية شعرية كاملة، ومثل لذلك بقصيدته (أنشودة المطر)، التي تحول الوصف فيها إلى سياقات الأسطورة، وتحول المطر عنده إلى ذاكرة، وحزن، ووعد مؤجل، وإلى بنية شعرية كاملة، وليس رمزاً عابراً. كما تحدث د. السامرائي عن الإيقاع، ورأى أن انتقال السياب إلى شعر التفعيلة كان ضرورة شعرية، وضرورة نفسية، فالمرض فرض عليه نفساً متقطعاً، والمنفى يكسر انتظام الإيقاع، والقلق لا يحتمل البحر الصارم، لذلك ابتدع شعر التفعيلة، ولم يكسر العمود، لكنه كشف أزمته.
وختم د. السامرائي هذا المحور بالقول: إن السياب تحول إلى أيقونة، واختزل في كونه رائداً من رواد الحداثة الشعرية، واكتفينا بصورته الرمزية المبجلة، ولم نعد نقرأه تلك القراءة العميقة التي تسبر أغوار اللغة السيابية، وتغوص في أساليبه».
وتحدث في المحور الثاني: (لحظات كاشفة في سيرة السياب)، عن تلك القرارات الجذرية التي اتخذها السياب في حياته، وتبدو للوهلة الأولى غير مبرّرة، لكنها تكشف عن منطق الشاعر الذي يفكر ويختبر اللغة، ومنها التحاقه بقسم اللغة العربية بدار المعلمين، ثن انتقاله إلى قسم اللغة الإنجليزية في المدرسة نفسها، حيث استفاد في تعزيز ثقافته العربية بعناصر ثقافية جديدة أكسبت تجربته حسا دراميا ورمزيا. مرورا بقراره حين سافر للدراسة في مدينة درم البريطانية، لكنه لم يحتملها فغادرها على الفور، وهجاها بقصيدة شهيرة، فكان ذلك موقفاً وجودياً واضحاً، يدل على أنه لم ينبهر بالغرب، بل كان شاعراً يبحث عن حرارة الموقف، وحميمية الأهل والأصدقاء.
القرار الثالث هو كتابته (سفر أيوب) الذي وصل فيه ذروة السمو الروحي، فقد أنهكه المرض، لكن روحه بقيت سامية ترتفع فوق جسدها المنهك، وهنا، يتجاوز السياب حدود الحداثة التقنية نحو حداثة أخلاقية، قلّما تحققت في الشعر العربي الحديث.