غرينلاند، تلك الكتلة الجليدية الصامتة على أطراف العالم، لم تعد مجرد أرض متجمدة تتدلى من شمال الأطلسي، لقد تحولت إلى بوابة لفهم عصر يتداعى، ونذير نظام دولي يخلع جلده أمام أعيننا.
حين يذوب الجليد لا يظهر الماء فقط، تظهر خرائط جديدة للقوة. وما تقوله الإدارة الأمريكية الحالية عن غرينلاند تعبير فاقع عن تحول أعمق: انتقال من قوة تؤطر العالم بقواعدها، إلى قوة تعيد امتلاك الجغرافيا نفسها.
وخلف التصريحات الصاخبة تكمن دوافع متشابكة، لا تبدأ بفتح ممرات بحرية جديدة، ولا تنتهي بجعل الثروات المعدنية النادرة – من الليثيوم إلى الكوبالت والمعادن الأرضية النادرة – أقرب إلى الاستخراج. لكن هذه ليست القصة كاملة. وما جرى في القرم عام 2014 لحدود أوروبا من الشرق، لن يكون أسوأ سيناريو لأوروبا بعد تلويح واشنطن لحدودها من الغرب.
والبعد الأشد خطورة ليس اقتصادياً ولا عسكرياً، بل معياري: أمريكا تنتقل من منطق التحالفات القائمة على القيم إلى منطق السيادة القسرية.
منذ الحرب العالمية الثانية، اختارت أوروبا طريقاً طويلاً من الاعتماد الأمني على واشنطن. خمسون قاعدة أمريكية تقريباً انتشرت على ترابها، من رامشتاين في ألمانيا إلى سيغونيلا في صقلية، ومن لاكينهيث في بريطانيا إلى ثوول في غرينلاند. كانت هذه الدرع الأمريكية كفيلة بحماية أوروبا من السوفييت، لكنها كانت أيضاً سكيناً صامتاً في عمودها الفقري الاستراتيجي.
تجلى هذا الاعتماد في البلقان حين تفككت يوغسلافيا في التسعينيات، كان المنطقي أن تقود أوروبا التدخل في جوارها المباشر، لكن في البوسنة لم تحسم الحرب إلا باتفاق دايتون الذي رعته واشنطن عام 1995، وفي كوسوفو عام 1999 كانت الطائرات الأمريكية هي التي قصفت مواقع ميلوسيفيتش، فيما بدت الجيوش الأوروبية كأنها تتعلم المشي خلف قائد أطلسي. هكذا ترسخ نمط خطر: أوروبا تدافع عن حدودها عبر الناتو، لا عبر ذاتها.
حتى حين حاولت القارة تصحيح المسار فشلت في مواجهة عاداتها القديمة. في قمة هلسنكي 1999 وعد الأوروبيون بقوة مشتركة قوامها 60 ألف جندي، تشمل وحدات جوية وبحرية، لكنها لم تتحول إلى جيش متكامل، وانكمشت لاحقاً إلى مجموعات قتالية صغيرة متعددة الجنسيات (Battle Groups) في براغ عام 2002. من جيش قاري إلى فرق صغيرة متنقلة، هكذا انتهى الطموح الدفاعي الأوروبي من طموح هلسنكي إلى واقع براغ.
الرئيس الأمريكي ترامب جاء بلا أقنعة إلى بروكسل، فما زالوا تحت صدمة أوكرانيا، وها هو اليوم يفتح ملف غرينلاند. وهنا تكمن اللحظة الزلزالية: لو أقدمت أمريكا على احتمالية احتلال الجزيرة بالقوة، ستكون هذه المرة الأولى التي تعتدي فيها دولة عضو في الناتو على دولة عضو أخرى. سيقف ميثاق الحلف على حافة الانهيار، لأن مؤسسيه لم يتخيلوا أن يأتي الخطر من الداخل لا من موسكو كما توقعت أوروبا دوماً!
النتائج ستكون زلزالية وبالتأكيد غير مسبوقة، قد تلجأ بروكسل إلى محكمة العدل الدولية لتجريم السلوك الأمريكي. وقد تجد باريس وبرلين نفسهما مضطرتين إلى إعادة بناء توازن قاري بدون واشنطن.
في الناتو، تعد المادة الرابعة جرس إنذار دبلوماسياً، تمنح أي عضو الحق في طلب اجتماع عاجل لمجلس الحلف إذا شعر بأن أمنه أو سيادته مهدد، لتطرح المخاطر على الطاولة قبل اتخاذ أي قرار عملي. أما المادة الخامسة فهي الخط الأحمر العسكري، حيث تُلزم كل أعضاء التحالف باعتبار أن أي هجوم على أحدهم يعد هجوماً على الجميع، وتفتح الباب للرد الجماعي العسكري. في سيناريو غرينلاند، ستتجه الدنمارك فوراً لتفعيل المادة الرابعة، مستدعية الحلف للتشاور، بينما يظل اختبار المادة الخامسة معقداً، إذ سيواجه الناتو لأول مرة احتمال تهديد داخلي من أعظم أعضائه، ما يجعل القرار بين الدبلوماسية والأخلاق السياسية والمصالح الاستراتيجية صعباً ومعقداً كما لم يحدث من قبل.
من زاوية أوسع، غرينلاند ليست أزمة منفصلة، بل الفصل الأول في حرب باردة جغرافية جديدة. أوكرانيا، غزة، القطب الشمالي، وفنزويلا ليست ساحات متفرقة، إنها مشاهد في مسرح واحد يعيد تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ. وبين المراقبة والترقب تقف أوروبا بين الماضي والمستقبل، معلقة بين خوفها من موسكو وخيبتها من واشنطن.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأعمق: هل نحن ذاهبون إلى عالم تُحكمه القوانين، أم إلى عالم تُرسم خرائطه بالهيمنة؟ إن كانت فنزويلا إعلاناً عن موت الترتيبات الدولية عبر المصادرة والضم، فإن غرينلاند قد تكون تذكرة الإقلاع من عالم قديم إلى آخر مجهول.. عالم بلا أحلاف راسخة، وبلا قواعد ثابتة، وبلا حصانات للحلفاء.
غرينلاند ليست مجرد جزيرة، إنها امتحان حضاري للنظام الدولي بأسره، ومرآة تُظهر لنا وجه عصر يتداعى. وحين تنكسر هذه المرآة لن تتناثر شظاياها في القطب الشمالي وحده، ستصل ارتداداتها إلى كل مكان ظن يوماً أنه تحت الحماية وبعيد عن مركز الزلزال.
[email protected]