أشادت وزيرة الموارد المعدنية في حكومة غرينلاند ناجا ناثانييلسن، برد فعل دول أوروبية هدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة عليها لمعارضتها جهوده للاستحواذ على غرينلاند.
وقالت الوزيرة في رسالة نشرتها على موقع لينكد إن «أذهلتني ردود الفعل الأولية من الدول المستهدفة. أنا ممتنة ومتفائلة بكون الدبلوماسية والتحالفات ستنتصر».
وجاء تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية بعدما أرسلت فرنسا والسويد وألمانيا والنروج وهولندا وفنلندا وسلوفينيا وبريطانيا، عسكريين إلى غرينلاند في مهمة استطلاع كجزء من تدريب نظمته الدنمارك مع دول في حلف شمال الأطلسي.
ووصف العديد من القادة الأوروبيين بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء النروجي جوناس غار ستور، تهديدات ترامب بـ «غير مقبولة».
- دوامة الأطلسي
وأدخلت تحركات ترامب دول الأطلسي التي لطالما كانت تشكل حلفاً قوياً، في دوامة غير مسبوقة من المتوقع أن تتصاعد تأثيراتها في الأسابيع المقبلة، وسط ضبابية في الأفق من النتائج التي قد تؤدي إليها إذا ما تصاعدت الأفعال الأمريكية وردود الأفعال الأوروبية عليها، وسط مخاوف من أن المستفيد من هذه الدوامة لن يكون أمريكا ولا أوروبا، في نظام عالمي جديد آخذ في البروز، عنوانه «تعدد الأقطاب».
وحذر الاتحاد الأوروبي من «دوامة خطيرة».
وكتب ترامب على منصته «تروث سوشال»: «هذه الدول التي تمارس لعبة بالغة الخطورة قامت بمجازفة غير مقبولة»، مهددا بفرض تعرفات جمركية جديدة تبقى سارية «حتى يتم التوصل إلى اتفاق لشراء غرينلاند بالكامل».
ومنذ عودته إلى السلطة، أعلن ترامب مرارا نيته الاستحواذ على الجزيرة القطبية الشاسعة والغنية بالمعادن.
وأكد أنه سيستولي عليها «بطريقة أو بأخرى»، بحجة أنّ هذا أمر ضروري لمواجهة التقدم الروسي والصيني في القطب الشمالي.
وقالت ناثانييلسن إنها علمت بتهديدات ترامب بعد عودتها من تظاهرة في نوك، عاصمة غرينلاند، جمعت آلاف المعارضين لرغبة ترامب في الاستحواذ على الجزيرة.
وبحسب آخر استطلاع نُشرت نتائجه في يناير 2025، يعارض 85% من سكان غرينلاند الانضمام إلى الولايات المتحدة، في حين يؤيده 6% فقط.
ورأى خبراء أن نشر دول أوروبية عسكريين في غرينلاند في مهمة استطلاع بمثابة «إشارة استراتيجية» لواشنطن.
واستنكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إعلان ترامب فرض رسوم جمركية جديدة وقال في منشور على منصة إكس، «التهديدات بفرض رسوم جمركية غير مقبولة ولا مكان لها في هذا السياق».
وأضاف «سيرد الأوروبيون بطريقة موحّدة ومنسّقة إذا تأكد ذلك. وسنضمن احترام السيادة الأوروبية».
وقال ماكرون «لا يمكن لأي ترهيب أو تهديد أن يؤثّر علينا، لا في أوكرانيا، ولا في غرينلاند، ولا في أي مكان آخر في العالم».
وأكد أن فرنسا «ملتزمة بسيادة واستقلال الدول، في أوروبا كما في غيرها. وهذا ما يوجّه خياراتنا. وهذا ما يدعم التزامنا بميثاقنا وفي إطار الأمم المتحدة».
وأضاف «على هذا الأساس ندعم أوكرانيا، وبنينا تحالفا للراغبين في سلام راسخ ودائم، للدفاع عن هذه المبادئ وعن أمننا. وعلى هذا الأساس أيضا، قرّرنا الانضمام إلى التدريب الذي قررت الدنمارك تنظيمه في غرينلاند. ونحن نتحمل مسؤوليته، وخصوصا أنّه يتعلّق بالأمن في القطب الشمالي وعلى حدود أوروبا».
وأفادت أوساط ماكرون بأنه سيتحدث «في الساعات القليلة المقبلة» مع نظرائه الأوروبيين، خصوصا أولئك الذين تستهدفهم مباشرة هذه الرسوم الأميركية الجديدة، مع التذكير بأن الاتحاد الأوروبي يمتلك «أدوات قوية تتيح الرد على هذه الممارسات والدفاع عن شركاته».
- اجتماع أوروبي عاجل
وحذّر الاتحاد الأوروبي من «دوامة خطيرة»، بعدما أعلن ترامب فرض الرسوم وأعلنت قبرص التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي أن اجتماعا طارئا لسفراء دول التكتل سيعقد عصر الأحد في بروكسل.
وقال عضو ألماني بارز في البرلمان الأوروبي إن التهديد الأخير لترامب يضع اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تم التوصل إليها العام الماضي، موضع تساؤل.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في بيان مشترك صدر بعد تلويح ترامب بفرض رسوم جمركية قد تصل نسبتها إلى 25 بالمئة، إنّ «فرض رسوم جمركية سيضعف العلاقات عبر الأطلسي، كما يهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطيرة».
وأكدا أنّ «أوروبا ستبقى موحّدة ومنسّقة وملتزمة الدفاع عن سيادتها».
وصدر هذا الموقف بعد أيام على إجراء مسؤولين دنماركيين وغرينلانديين محادثات في واشنطن بشأن سعي ترامب لضم غرينلاند، بدون التوصل إلى اتفاق.
واضافت فون دير لايين وكوستا «يبدي الاتحاد الأوروبي تضامنا كاملا مع الدنمارك وشعب غرينلاند. يبقى الحوار أساسيا، ونحن ملتزمون البناء على العملية التي بدأت الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة».
- تساؤلات ألمانية
وقال العضو الألماني في البرلمان الأوروبي مانفريد فيبر، زعيم «حزب الشعب الأوروبي» وهو أكبر تكتّل في الهيئة، إن تصريحات ترامب الأخيرة تضع اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، موضع تساؤل.
وجاء في منشور له على منصة إكس «إن حزب الشعب الأوروبي يؤيد اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لكن في ضوء تهديدات دونالد ترامب بشأن غرينلاند، لا يمكن المصادقة عليها في هذه المرحلة».
في يوليو، توصّل الرئيس الأميركي ورئيسة المفوضية الأوروبية إلى اتفاق يقضي بتحديد نسبة الرسوم الجمركية على معظم صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة عند 15 بالمئة، لكن الطرفين يسعيان لانتزاع إعفاءات لقطاعات إضافية.
ولطالما تفنن الرئيس الأميركي في إشهار الرسوم الجمركية كورقة رابحة في أي مفاوضات يريد الدخول فيها.. وأعلن الشبت عن رسوم جديدة قد تصل إلى 25 في المئة على المنتجات المستوردة من مجموعة من الدول الأوروبية «إلى حين التوصل إلى اتفاق للشراء الكامل لغرينلاند».
وتطال الرسوم الجمركية الجديدة، الدنمارك ودولا أوروبية أخرى أعضاء في حلف شمال الأطلسي، قامت قبل أيام بنشر قوات في غرينلاند.
وأفاد الرئيس الأميركي في منشور على منصته تروث سوشال بأنّه ابتداء من الأول من فبراير، ستخضع الدنمارك والنروج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا، لرسوم جمركية بنسبة 10 في المئة على جميع المنتجات التي تصدرها إلى الولايات المتحدة.
وأضاف «بحلول الأول من يونيو، سترتفع الرسوم الجمركية إلى 25 في المئة. وستظل مستحقّة الدفع حتى يتم التوصل إلى اتفاق لشراء غرينلاند بالكامل».
ورأى ترامب أنّ «هذه الدول، التي تمارس هذه اللعبة الخطيرة للغاية، انتهجت مستوى من المخاطرة لا يمكن تقبّله وغير قابل للاستمرار».
وأضاف «لذا، من الضروري من أجل حماية السلام والأمن العالميَين، أن يتم اتخاذ إجراءات قوية لإنهاء هذا الوضع الذي من المرجّح أن يكون خطيرا، بسرعة وبدون أي شك».
- عسكرة الجزيرة
وأكدت الدنمارك على لسان وزير خارجيتها أنها فوجئت بموقف ترامب.
وقال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن في بيان، أنّ «الهدف من زيادة الوجود العسكري (الأوروبي) في غرينلاند، الذي أشار إليه الرئيس (ترامب)، هو تحديدا تعزيز الأمن في القطب الشمالي».
وأضاف «نحن على اتصال وثيق بالمفوضية الأوروبية وشركائنا الآخرين بشأن هذه المسألة».
شهدت نوك عاصمة غرينلاند ومدن دنماركية عدة من بينها العاصمة كوبنهاغن، تظاهرات شارك فيها آلاف الأشخاص احتجاجا على رغبة ترامب في الاستحواذ على الجزيرة.
في وسط نوك، تجمّع آلاف من المتظاهرين، من بينهم رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن تحت أمطار خفيفة.
وكانوا يلوّحون بعلم غرينلاند ويرتدون قبعات كُتب عليها «إجعلوا أميركا ترحل» ويؤدون أغاني الإنويت التقليدية، بحسب ما أفاد صحافي في فرانس برس في المكان.
وتظاهر حشد من الأشخاص في ساحة مبنى بلدية كوبنهاغن حاملين أعلام غرينلاند والدنمارك، وهتفوا «كالاليت نونات!» وهو اسم غرينلاند باللغة المحلية، بحسب ما أفاد صحافيون في وكالة فرانس برس.
ورفع المتظاهرون لافتات عليها عبارة «اجعلوا أميركا ترحل»، في تحوير لشعار «لنجعل أميركا عظيمة مجددا»، بالإضافة إلى عبارة «الولايات المتحدة لديها أصلا الكثير من الثلوج».
وسار العديد من المسؤولين السياسيين الدنماركيين، من بينهم رئيسة بلدية كوبنهاغن ووزيرة، مع المتظاهرين.
وأمام السفارة الأميركية، تناوب عدد من المنظمين على منصة وهم يغنون ويرددون شعارات «غرينلاند ليست للبيع»، معربين عن أملهم في أن يرى ممثلو الولايات المتحدة هذا الحشد الكبير، وذلك في ظل وجود وفد من الكونغرس في كوبنهاغن.
ونُظمت تظاهرات أخرى في مدن مثل آرهوس (وسط) وألبورغ (شمال) وأودنسه (جنوب).
- «مخاوف أمنية»
في كوبنهاغن، أبدى وفد يضم أعضاء من الحزبين الجمهوري والديموقراطي في الكونغرس الأميركي دعمهم لغرينلاند، وذلك في اليوم الأخير من زيارتهم التي التقوا خلالها رئيسة الوزراء الدنماركية، ورئيس حكومة غرينلاند، وعددا من رؤساء الشركات، إضافة إلى نواب في البرلمان الدنماركي.
وأشاد السناتور الديموقراطي كريس كونر الذي يرأس الوفد بتحالف عمره 225 عاما مع الدنمارك. وأكد «عدم وجود تهديدات مباشرة لغرينلاند».
وأضاف «لكننا نتشارك مخاوف فعلية بشأن الأمن في القطب الشمالي مستقبلا، مع التغير المناخي، وانحسار الطبقة الجليدية، وتطور الملاحة البحرية»، مشددا على ضرورة «دراسة سبل تحسين الاستثمار في الأمن القطبي الشمالي».
وجاءت تظاهرات السبت بعد ثلاثة أيام من اجتماع في واشنطن بين مسؤولين أميركيين ودنماركيين ومن غرينلاند، انتهى على خلاف، إذ أقر وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن بـ«عدم التمكن من تغيير الموقف الأميركي».
ستارمر: تهديد ترامب «خاطئ»وفي لندن، ندد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بتهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة على الحلفاء الأوروبيين المعارضين لجهوده الهادفة إلى ضم غرينلاند، معتبرا أنه «خاطئ تماما». وقال ستارمر في بيان إن «فرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن المشترك لأعضاء الناتو أمر خاطئ تماما. وسنتابع هذا الأمر في شكل مباشر مع الإدارة الأميركية». وأضاف «لقد أوضحنا أيضا أن أمن القطب الشمالي يهم حلف الناتو بكامله، وينبغي على الحلفاء بذل مزيد من الجهود المشتركة لمواجهة التهديد الروسي في مختلف أنحاء القطب الشمالي». |
- السويد: «لن نخضع للترهيب»
وفي أعقاب إعلان ترامب فرض رسوم جمركية على دول أوروبية من بينها السويد، أكد رئيس الحكومة السويدية أولف كريسترسن، أنّ بلاده «لن تخضع للترهيب»، وقال في بيان «وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائما عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».
وأضاف «تُجري السويد حاليا محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنروج والمملكة المتحدة، من أجل التوصل إلى رد مشترك».