محمود درويش..طفل تشكلت لغته من رائحة الأرض

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


على الرغم من حضور الشاعر الكبير محمود درويش في الثقافة العربية،، إلا أن الجوانب الإنسانية الخفية في حياته نادراً ما تتصدر صورته العامة. يأتي معرض «لاعب النرد» في بيت الحكمة بالشارقة ليزيح الستار عن تلك المساحات، كاشفاً وجهاً قلّما يُرى لدرويش؛ فخلف القصائد المعروفة، يظهر طفلٌ تشكلت لغته الأولى من رائحة الأرض، وطالبٌ كتب واجباته المدرسية بخطٍ أنيق وحروف مرتبة، ومراهقٌ أدرك مبكراً أن للكلمة قوة قد تُقلق الآخرين، وكاتبٌ أعاد تشكيل ذاته مراراً عبر محطات حياته المختلفة.

تنقلنا الوثائق والمقتنيات التي يعرضها بيت الحكمة عبر معرض «لاعب النرد: محمود درويش» إلى الجذور الأولى للشاعر في مسقط رأسه، قرية البِرْوة، حيث تتجلى علاقته بوالديه بوضوح إنساني مؤثر. فالأب، سليم درويش، كان مزارعاً شديد الانشغال بأرضه، ما جعل محمود يرتبط وجدانياً بجده الذي تولى تربيته وصحبته في معظم الأوقات، إلى درجة ظن معها الطفل أن جده هو والده الحقيقي. ومعه تسلل بعد النكبة عائداً إلى فلسطين وقريته البِرْوة، أملاً في استعادة الأرض، ليُفاجأ الاثنان بأن القرية قد دُمّرت عن بكرة أبيها. وعن تلك اللحظة يقول درويش: «فقدنا حق الإقامة وحق الأرض».

أما والدته، حورية البقاعي، فتظهر في الوثائق امرأة حازمة قليلة التعبير عن مشاعرها، كانت تداعبه أحياناً بعبارتها الدارجة: «يا حِلس يا مِلس». وقد ترك أسلوبها الصارم أثراً عميقاً في نفس الشاعر، حتى ظن في طفولته أنها لا تحبه، وظل هذا الشعور يلازمه حتى سن الرابعة عشرة تقريباً، حين دخل السجن لأول مرة. هناك، تغير كل شيء. ففي أول زيارة لوالدته له عام 1963، وبعد أن مُنعت من إدخال الخبز والقهوة، كسرت الأم صمتها العاطفي وباحت بمشاعرها للمرة الأولى. كانت تلك اللحظة مفصلية في حياة درويش، وألهمته قصيدته الأشهر «إلى أمي»، التي كتبها بوصفها رسالة اعتذار واعتراف، وواحدة من أكثر قصائده قرباً إلى قلوب القراء.

القصيدة الأولى

تكشف مواد المعرض ملامح دقيقة من سنوات مراهقة محمود درويش، تلك المرحلة التي عاشها بلا أوراق رسمية، حاضراً في وطنه جسداً، وغائباً عنه في السجلات الرسمية. وتوثق إحدى أبرز هذه اللحظات حادثة استدعائه إلى الحاكم العسكري عقب إلقائه قصيدته الأولى في مهرجان مدرسي بإحدى قرى دير الأسد، موجهاً حديثه إلى فتى يهودي. لم يكن درويش، آنذاك، مدركاً لقوة الكلمة ولا لرهبتها، حتى استُدعي في اليوم التالي إلى مقر الحاكم العسكري في مجد الكروم، ووُجهت إليه التهديدات، وتعرّض للتعنيف، كما هُدّد والده بحرمانه من العمل إذا واصل كتابة مثل هذه القصائد. خرج درويش من التحقيق باكياً، وهو يردّد عبارته التي ستختصر اكتشافه المبكر لسطوة الشعر: «لم أكن أعلم أن القصيدة قد تُخيف… حتى كتبت واحدة».

وتكشف دفاتره المدرسية المعروضة عن صورة الطالب المنضبط الذي أولى عناية خاصة لخطه وجمال كتابته، إلى حد أنه دوّن بالقلم بعض دواوينه التي لم يُتح له نشرها، فكان يتجنب الشطب قدر الإمكان، وكأن شكل الكلمة لا يقل قداسة لديه عن معناها. وتضيء المعروضات كذلك على الأثر العميق لقراءاته المبكرة لقصائد عنترة بن شداد في تكوينه الشعري الداخلي، كما توثق بدايات حضوره القيادي في المشهد الثقافي، حين تولى إدارة تحرير الصفحة الثقافية في مجلة «الجديد» بحيفا وهو في السابعة عشرة من عمره، قبل أن يصبح رئيساً لتحريرها في سن العشرين.

آثار نفسية

يقدّم قسم «المنفيّ» من المعرض محمود درويش بوصفه مفكراً يتأمل معنى اللجوء وآثاره النفسية والوجودية، من خلال نصوص نادرة، أبرزها مقولته الواردة في مقابلة بعنوان «لهم الليل والنهار لي» والتي نشرتها مجلة «الآداب» عام 1970، والمحفوظة ضمن مقتنيات بيت الحكمة، حيث يقول: «إذا أجرينا مقارنة بين أن تكون لاجئاً في المنفى وبين أن تكون لاجئاً في الوطن، وقد خبرتُ النوعين من اللجوء، فإن اللجوء في الوطن أكثر وحشية. العذاب في المنفى، والأشواق وانتظار يوم العودة الموعود، شيء له ما يبرره، شيء طبيعي. أما أن تكون لاجئاً في وطنك، فلا مبرر لذلك، ولا منطق فيه».

ويكشف المعرض كذلك جانباً إنسانياً مؤثراً من علاقة درويش بالمراسلة، عبر رسالة كتبها من داخل السجن في ستينات القرن الماضي، يصف فيها قسوة الحياة اليومية من شحّ الطعام، وانعدام النظافة، وضيق الثياب وغيرها. غير أن أكثر ما يؤلمه، كما يعترف، هو أن «الظروف تحول دوني ودون الكتابة؛ حتى الآن لم أكتب إلا هذه الرسالة». ومع ذلك، يجد درويش عزاءه في فعل التواصل ذاته، مخاطباً من هم خارج الجدران: «أخبروا الجميع أن أجمل هدية تصلني هي الرسائل؛ فأرجو أن يكتبوا لي».



‫0 تعليق

اترك تعليقاً