من الإخفاقات إلى قمة هرم الاستثمار.. محطات صنعت وارن بافيت

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


الانضباط المالي، التواضع، الإنسانية، والوعي.. ركائز النجاح

بافيت:
– أفضل وظيفة في العالم.. عضوية مجلس الإدارة
– لا تحتاج إلى عبقرية أو معادلات معقدة لتفهم قيمة عمل ما
– ليس صحيحاً أن يدفع الموظفون ثمن آرائي السياسية

في لقاء تلفزيوني مطوّل على شبكة «سي إن بي سي» بعنوان: «وارن بافيت: حياة وإرث»، فتح ‘أسطورة الاستثمار’ وارن بافيت خزائن أفكاره وتجربته، متنقلاً بسلاسة بين عالم الأعمال والاستثمار، والفلسفة الشخصية، والتربية، والعمل الخيري، وإخفاقاته في مرحلة شبابه والسياسة.
المقابلة، التي أجرتها الصحفية بيكي كويك، تناولت طيفاً واسعاً من القضايا، من حاضر ومستقبل مجموعة «بيركشاير هاثاواي» الاستثمارية، إلى دروس العمر، ودور الحظ، وصعوبة التبرع بثروة هائلة، وصولاً إلى الأسباب التي دفعته إلى التراجع عن إبداء مواقف سياسية علنية.

أحد أبرز محاور الحديث كان التحدي الذي يواجه بافيت في إيجاد شركة كبيرة مناسبة للاستحواذ، في وقت تقترب فيه السيولة النقدية لبيركشاير من 400 مليار دولار. ورغم هذا التحدي، بدا بافيت مطمئناً إلى مسار الشركة، مؤكداً أن النمو سيظل السمة الغالبة، حتى وإن اختفت بعض الشركات التابعة مع تغير الزمن والاقتصاد.
وأوضح أن بعض الأعمال قد لا تكون صالحة بعد 50 أو 100 عام، لكن في المقابل ستنشأ شركات أخرى وتتطور، مؤكداً أن مرونة رأس المال تتيح لبيركشاير أن تتحرك مع اتجاه الاقتصاد الأمريكي أينما ذهب.

الخليفة المختار

توقف بافيت عند اللحظة التي أوصى فيها بتعيين غريغ آبل رئيساً تنفيذياً مستقبلياً للشركة. وبأن القرار لم يحتج إلى نقاش طويل، بعدما حسمه ستيف بيرك، أحد أعضاء مجلس الإدارة بالقول: «إن الاختيار واضح ولا يستحق الانتظار أو أي شيء من هذا القبيل». وهكذا صوتوا بالموافقة.
وأكد بافيت أن النجاح والقدرة على تقييم الشركات لا يتطلب عبقرية خارقة أو معادلات معقدة، مشيراً إلى أن الذكاء الحقيقي يكمن في الفهم العملي للأعمال، حتى إن آبل، على حد تعبيره، كان سيبقى بالكفاءة نفسها لو ترك الدراسة مبكراً مثل بعض مديري الشركة.

درس مبكر في الخسارة

استعاد بافيت تجربة مبكرة من شبابه، شهدت إخفاقات متعددة، لكنه ركز حين جرّب المراهنة على سباقات الخيل أثناء دراسته الثانوية. وخسر كل ما كان بحوزته وهو 50 دولاراً، وعلق على ذلك قائلاً: «من أول الأشياء التي تتعلمها في سباقات الخيل أنه يمكنك الفوز في سباق، لكن لا يمكنك الفوز في جميع السباقات»، ليدرك حينها سريعاً أن الاستمرار في الرهان يؤدي حتماً إلى الخسارة. كان درساً مبكراً في الانضباط المالي، لازمه طوال حياته.

أفضل وظيفة

بصراحته المعهودة، وصف بافيت عضوية مجالس إدارات الشركات بأنها «أفضل وظيفة في العالم»، نظراً للعائد المالي المرتفع مقارنة بطبيعة العمل الممتعة للغاية، حيث توفر الشركات وسائل النقل، والمعاملة الراقية، والبيئة اللطيفة. وتساءل مازحاً: من الذي لا يرغب بمثل هذا العمل؟
وعبّر بافيت عن رضاه العميق على مدى عقود من إدارة «بيركشاير هاثاواي»، مؤكداً أن معظم ما كان يطمح إليه تحقق. ورغم الإخفاقات التي لم تخلُ منها المسيرة، أشار إلى أنه وشريكه الراحل تشارلي مانغر كانا يجدان متعة خاصة حتى في الصفقات التي لم تنجح، أحياناً أكثر من تلك التي نجحت.

حكمة نصف العمر

تحدث بافيت عن شغفه بالتدريس، واصفاً نفسه بأنه كان يستمتع بنقل أفكاره، قبل أن يعترف بأن طاقته خفّت في السنوات الأخيرة. لكنه شدد على مبدأ أساسي: الإنسان يجب أن يكون أفضل وأكثر حكمة في النصف الثاني من حياته إن سارت الأمور معه على ما يرام.
وأكد بافيت أن اللطف لا يمكن أن يضر أحداً، متسائلاً عما إذا كان العالم لن يكون أكثر سعادة لو بدأ كل شخص يومه بالتعهد بأن يكون لطيفاً، مهما كانت الأحداث الجيدة أو السيئة التي قد يواجهها.

الصمت السياسي

شرح بافيت أسباب تراجعه عن الإدلاء بتصريحات سياسية علنية في السنوات الأخيرة. وأوضح أنه أعاد التفكير في موقفه السابق، في ظل الاستقطاب الحاد الحاصل.
وأشار إلى أنه لا يريد أن يدفع موظفو شركاته أو مساهموها ثمن آرائه الشخصية، أو أن يتعرضوا لمواقف سلبية بسبب تصريح يصدر عنه. وأضاف أن الفصل بينه كمواطن عادي ورئيس تنفيذي أمر شبه مستحيل. وقال: «ها أنا ذا، إذا أردت التحدث بصفتي مواطناً عادياً، كان عليّ الاستقالة من بيركشاير. وطالما أتحدث في الاجتماع السنوي أو ما شابه، سيربط الناس كلامي واسمي بصوت بيركشاير إلى حد بعيد. وهذا ما دفعني إلى التراجع عن الخطاب السياسي حفاظاً على مصالح العاملين والشركات».
وهكذا لم تكن المقابلة مجرد استعراض لمسيرة رجل أعمال ناجح، بل لوحة متكاملة لفلسفة حياة، تجمع بين الانضباط المالي، والتواضع، والإنسانية، والوعي بالمسؤولية، إرثٌ يبدو أن وارن بافيت حريص على أن يكون أخلاقياً بقدر ما هو اقتصادي.



‫0 تعليق

اترك تعليقاً