في صباح 17 يناير/كانون الثاني 2022، استيقظ الناس في الإمارات على خبر الاعتداء، لكنهم لم يستيقظوا على الفوضى ولا على الخوف، استيقظوا وقد كانت المهمة قد أُنجزت.
الغدر الحوثي تمّ والناس نيام، لكنّ الردَّ الإماراتي كان يقظاً، فبينما كان المواطنون والمقيمون في بيوتهم آمنين، كانت منظومات الدفاع الجوي تعمل، وكانت القوات المسلحة في مواقعها، تعترض الصواريخ، وتغلق السماء، وتحمي المدينة، لم يشعر الناس بالهلع، لأن الدولة لم تتأخر عنهم لحظة واحدة، وهذا هو جوهر الثقة، أن تنام مطمئناً لأن هناك من يسهر على أمنك، وأن تستيقظ لتجد أن الخطر قد أُزيل قبل أن يصل إليك، وفي تلك الليلة نام الناس وهم على ثقة بدولة الإمارات واستيقظوا وهم على ثقة أكبر.
نذكر جميعاً ذلك اليوم عندما نفّذت ميليشيا الحوثي الإرهابية هجوماً بطائرات مسيّرة وصواريخ باليستية استهدفت مواقع مدنية ومنشآت حيوية في إمارة أبوظبي، من بينها خزانات وقود في منطقة مصفح ومحيط مطار أبوظبي الدولي، وأسفر الاعتداء عن مقتل ثلاثة من العاملين وإصابة ستة آخرين، لم يكن الهدف إحداث ضرر مادي فقط، بل توجيه ضربة نفسية إلى فكرة الاستقرار ذاتها، ومحاولة زعزعة ثقة المجتمع الدولي بنموذج الدولة الآمنة التي تمثلها الإمارات.
لكن الرد جاء أسرع وأدق مما توقعه المنفذون، فقد أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية اعتراض وتدمير عدد من الصواريخ الباليستية التي أُطلقت باتجاه الدولة باستخدام منظومات دفاع جوي متقدمة، من بينها نظام «ثاد» الأمريكي، في أول استخدام عملي ناجح لهذا النظام في الشرق الأوسط، وتم إغلاق السماء قبل أن يصل التهديد إلى المدن، ما تمناه الحوثي هجوماً ناجحاً ومؤثراً تحوّل في الواقع إلى عرض حيّ لكيف تعمل دولة استثمرت طويلاً في أمنها.
هنا تحديداً يبدو واضحاً الفرق بين دولة تُدار بردّات الفعل، ودولة بُنيت على التخطيط، فالقوة التي ظهرت في ليلة 17 يناير/كانون الثاني لم تولد في تلك الليلة، بل هي حصيلة مسار بدأ منذ توحيد القوات المسلحة في 6 مايو/أيار 1976، وتراكم عبر خمسة عقود من البناء المؤسسي، في قلب هذا المسار يقف صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي نظر إلى الجيش الإماراتي باعتباره مشروع دولة طويل الأمد، لا تشكيلاً تقليدياً، على مدى نحو خمسين عاماً، جرى تشييد هذه المؤسسة قطعة قطعة، من العقيدة العسكرية إلى منظومات التسليح، ومن مدارس التدريب إلى الشراكات الدولية، ومن تطوير الضابط والجندي الإماراتي إلى الاستثمار في أحدث تقنيات الحرب والدفاع.
تحت قيادة صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد، لم يكن التحديث مجرد شراء معدات، بل نقل معرفة وبناء عقل عسكري محترف، أُرسلت البعثات، وأُقيمت التدريبات المشتركة مع جيوش متقدمة، وبُنيت منظومات القيادة والسيطرة، وطُوّرت القوات الجوية والدفاع الجوي والقوات الخاصة، حتى أصبحت القوات المسلحة الإماراتية اليوم واحدة من أكثر الجيوش احترافيةً في المنطقة، وهذا البناء المتدرج والدقيق هو الذي ظهر في ليلة 17 يناير/كانون الثاني، حين عملت كل حلقة في المنظومة كما يجب، من الإنذار المبكر إلى الاعتراض إلى إدارة الموقف إعلامياً وأمنياً دون تضخيم أو ارتباك.
كان الرهان الحوثي على أن الخوف سيتسرّب إلى المجتمع وإلى رجال الأعمال والمستثمرين، وأن صورة الإمارات كملاذ آمن ستتصدّع، لكن النتيجة كانت معاكسة تماماً، الأسواق واصلت عملها، الرحلات الجوية استمرت، الفعاليات الدولية لم تُلغَ، والاستثمارات لم تتوقف، أما التقارير الاقتصادية الدولية خلال عام 2022 فقد أكدت أن بيئة الأعمال في الإمارات بقيت مستقرة وجاذبة، وهو ما يعني أن محاولة ضرب الثقة فشلت كما فشل الهجوم عسكرياً، وأن الحوثيين تلقوا هزيمة جديدة خارج اليمن بعد الهزائم التي تلقوها على أرض المعركة داخلها.
هكذا تحوّل الاعتداء من محاولة لكسر الهيبة إلى لحظة كشفت قوة الدولة، لم يهتز المجتمع، ولم تتوقف عجلة الاقتصاد، بل تعمّقت القناعات بأن الإمارات ليست فقط مكاناً مزدهراً، بل دولة قادرة على حماية هذا الازدهار مهما تعاظمت التحديات، ودخل 17 يناير/كانون الثاني الذاكرة الوطنية كيوم عزم وهمة لا كيوم تهديد، يوم أثبتت فيه الإمارات أن أمنها ليس صدفة، بل نتيجة رؤية وبناء وعمل طويل وصامت لا يظهر إلا عندما يُختبر.
[email protected]