الثقافة سياسة اقتصادية.. ماذا تُعلّمنا الشارقة؟ | جابر محمد الشعيبي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


جابر محمد الشعيبي*

لم تعد التنمية الاقتصادية مسألة أرقام سريعة بقدر ما أصبحت مسألة خيارات طويلة الأمد تتعلق بنوعية النمو، لا سرعته فقط. وفي هذا السياق، تقدّم إمارة الشارقة نموذجاً تنموياً مختلفاً يقوم على اعتبار الثقافة سياسة اقتصادية واعية، لانشاطاً رمزياً أو ترفاً مؤسسياً. فهنا، يُدار الاقتصاد بوصفه مشروعاً حضارياً طويل النفس، يُراكم الإنسان والمعرفة قبل أن يُراكم المؤشرات.
أول الدروس الذي تقدّمه الشارقة أن الثقافة أصل اقتصادي غير ملموس، لكنه بالغ الأثر. فالاستثمار في الكتاب، والتعليم، والمتاحف، والبنية الثقافية لا يستهدف عائداً مالياً مباشراً، بل يهدف إلى بناء رأس مال بشري واجتماعي قادر على الإنتاج والابتكار والتكيّف مع التحولات.
هذا النوع من الاستثمار يرفع إنتاجية المجتمع على المدى الطويل، ويخفض كلفة المشكلات الاجتماعية، ويخلق بيئة أكثر استقراراً للأعمال والاستثمار. وتجارب دولية عديدة تُظهر أن الاقتصادات ذات العمق الثقافي والمعرفي تكون أقل هشاشة في الأزمات وأكثر قدرة على التعافي من دون صدمات اجتماعية حادة.
الدرس الثاني يتمثل في أن الهوية الثقافية يمكن أن تكون ميزة تنافسية اقتصادية حقيقية. ففي زمن تتشابه فيه المدن وتتنافس على الصورة قبل الجوهر، حافظت الشارقة على شخصية واضحة لا تُحاكي الآخرين بقدر ما تُقدّم مساراً متوازناً يجمع بين النمو والإنسان، وبين السوق والقيم. هذا الوضوح منح الإمارة نموذجاً اقتصادياً هادئاً لا يعتمد على الضجيج الإعلامي، بل على العمق والاستمرارية، وهو ما يعزّز الثقة ويجذب الاستثمار النوعي طويل الأجل.
أما الدرس الثالث، فيكمن في أن الثقافة تُحسّن جودة الحوكمة الاقتصادية. فالمجتمع الذي يقرأ ويتعلم وينخرط في الفعل الثقافي يكون أكثر وعياً بالسياسات العامة، وأكثر التزاماً بالقانون، وأقل عرضة للهشاشة الاجتماعية. وينعكس ذلك مباشرة على كفاءة الإنفاق العام، واستقرار سوق العمل، وفاعلية التشريعات. ومن هذا المنطلق، لم تكن الاستثمارات الثقافية عبئاً على الميزانية العامة، بل أداة وقائية تقلل كلفة المخاطر الاقتصادية والاجتماعية على المدى المتوسط والطويل.
وتُظهر تجربة الشارقة كذلك أن الاقتصاد الثقافي ليس اقتصاداً نخبوياً. فعندما تُدمج الثقافة في التعليم، والتخطيط الحضري، والسياسات الاجتماعية، تصبح جزءاً من الحياة اليومية للمجتمع لا نشاطاً موسمياً. هذا الدمج حوّل الثقافة إلى بنية تحتية ناعمة تدعم الاقتصاد الحقيقي، وتعزّز جودة الحياة، وتُرسّخ الاستقرار الأسري والمجتمعي، بما يجعل الإنسان محور التنمية لا هامشها.
ومن زاوية سوق العمل، تتجسّد هذه الفلسفة في قرارات عملية تعكس فهماً عميقاً للعلاقة بين الإنسان والاقتصاد. فقد وجّه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي بتوفير ألف وظيفة خلال عام 2026، في خطوة تتجاوز بُعدها التوظيفي المباشر إلى دلالة اقتصادية أوسع. فالعمل الكريم ليس إجراءً اجتماعياً فحسب، بل أداة لتعزيز الطلب المحلي، ورفع المشاركة الاقتصادية، وترسيخ الثقة بالمستقبل. وبهذا المعنى، يتحول القرار الاجتماعي الواعي إلى رافعة اقتصادية تدعم النمو المستدام من قاعدته الأوسع: المجتمع.
ويكتسب هذا النموذج أهمية إضافية في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة، حيث لم تعد المنافسة الاقتصادية محصورة في رأس المال أو البنية التحتية المادية، بل في جودة العقل البشري وقدرته على التفكير النقدي والإبداعي. فالثقافة، بما تحمله من تعليم ومعرفة وقيم، تُعد خط الدفاع الأول أمام آثار التحول الرقمي غير المتوازن، وتشكّل أساساً لاقتصاد قادر على استيعاب الاقتصاد المعرفي من دون أن يفقد بعده الإنساني.
ويدعم هذا التوجّه ما تشير إليه تقارير دولية حديثة، إذ تؤكد منظمة «اليونسكو» أن الاستثمار في الثقافة والتعليم والمعرفة أصبح عنصراً أساسياً في بناء اقتصادات أكثر شمولاً وقدرة على الصمود. كما يذهب البنك الدولي إلى أن جودة رأس المال البشري وقوة المؤسسات الاجتماعية تفسّر الفجوة بين الدول التي تنمو بسرعة وتلك التي تنجح في تحقيق نمو مستدام.
وفي عالم يتّسم بتزايد اللايقين واشتداد المنافسة على رأس المال، تقدّم الشارقة درساً جوهرياً مفاده أن ليست كل سياسة اقتصادية تُقاس بمعدلات النمو وحدها، ولا كل تنمية تُختصر في حجم المشاريع. فأحياناً، تكون أعقل القرارات الاقتصادية هي تلك التي تُبنى ببطء، وتستثمر في الإنسان قبل الأرقام، وتراهن على الاستقرار قبل السرعة. فالثقافة، حين تُدار برؤية استراتيجية، تتحول من قطاع «ناعم» إلى رافعة اقتصادية صامتة تبني مجتمعاً متماسكاً واقتصاداً أكثر قدرة على الصمود، وهو رهان الدول التي تنظر إلى المستقبل بوصفه مشروع أجيال.

* كاتب وباحث

[email protected]



‫0 تعليق

اترك تعليقاً