غرينلاند على فوهة بركان | محمد السعيد إدريس

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


د. محمد السعيد إدريس

منذ وصوله مجدداً إلى الحكم فى يناير/ كانون الثانى من العام الماضي وعيون الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مصوبة نحو جزيرة «غرينلاند» الدنماركية، إضافة بالطبع إلى كندا، حيث لم يتردد أكثر من مرة تأكيد عزمه على ضم غرينلاند وكندا، في إشارة مهمة مبكرة تقول أن «مبدأ الضم» أضحى عنده أولوية، من دون اعتبار أو التزام بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، الذي يُحَرِّمْ استخدام القوة في حل النزاعات الدولية، لكن شعار «أمريكا أولاً» الذي عاد به ترامب إلى البيت الأبيض، يبرر له كل فعل أو قرار، طالما أنه يحقق «مصلحة أمريكية»، لكن الأمر اختلف كثيراً بعد اختطاف القوات الأمريكية للرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو وترحيله لمحاكمته في نيويورك، حيث اتجه التركيز الأمريكي على غرينلاند. فقد أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن الرئيس ترامب وفريقه «يبحثون مجموعة واسعة من الخيارات، لتحقيق هدف الاستحواذ على الجزيرة»، مشيرة إلى أن «استخدام القوة العسكرية الأمريكية يظل خياراً متاحاً دائماً لدى القائد الأعلى للقوات المسلحة»، وأكدت أن ترامب «يرى في الاستحواذ أولوية قصوى للأمن القومي الأمريكي، وأمراً حيوياً لردع الخصوم في منطقة القطب الشمالي»، في إشارة ضمنية إلى النشاط الروسي والصيني المتزايد هناك.
لم يعد الأمر إذن مجرد تعبير عن نوايا، ولكنه أخذ يتحول إلى سياسات من بينها تكرار عملية غزو فنزويلا، أي ضم الجزيرة بالإكراه، الأمر الذي أدركته رئيسة وزراء الدنمارك مييتي فريدركس جيداً، ونبهت إلى ضرورة أخذ تهديدات الرئيس الأمريكي على «محمل الجد»، وحذرت واشنطن من اتخاذ أي إجراء لضم الجزيرة الدنماركية، وقالت: «إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دول أخرى في حلف شمال الأطلسي (الناتو) فإن كل شئ سينتهي». الأمر الذي حفز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للتجرؤ على انتقاد ما أسماه بـ«العدوانية الاستعمارية الجديدة»، من دون إشارة بالاسم إلى الولايات المتحدة، لكن الرئيس الألمانى «فرانك شتاينماير»، فقد كان أكثر حدة تجاه السياسة الأمريكية، عندما حث العالم على «عدم السماح للنظام العالمي أن ينحدر ليتحول إلى (وكر لصوص) يأخذ فيه عديمو الضمير ما يريدون» على حد وصفه.
نحن إذن أمام احتمال مواجهة أوروبية– أمريكية، من شأنها أن تهدد بالفعل بقاء حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي من شأنه أن يضع أوروبا، وليس فقط جزيرة غرينلاند، أو حـــتى الدنمارك على «فوهة بركان» لا تعـــرف مداه، في ظل غياب أي استعداد أوروبي للإجابة على السؤال التاريخي والمرير الصعب: أين ستذهب أوروبا في عالم صراع القوى الكبــــرى الـــراهن: الــــولايــــات المتحدة والصين وروسيا؟ هل بمقدورها أن تكون قوة عالمية رابعة في عالم متعدد الأقطاب ترفضه واشنطن بشدة، وتعمل المستحيل لمنع ظهوره كأمر واقع؟ وهل تملك أوروبا حالياً القدرة على أن تخرج من تحت «العباءة الأمريكية» وتؤسس لقوة عالمية مافسة؟ أم أن الأمر الواقع الراهن، سواء ما يتعلق بقدرات أوروبا الاستراتيجية والاقتصادية، أو بصراعاتها وتنافساتها وانقساماتها الداخلية، يحول دون أن تكون قوة عالمية مستقلة؟ أم أنها أضحت أمام خيار مصيري واحد هو: «التبعية للولايات المتحدة» في وقت لم تعد الولايات المتحدة تعطي أولوية لحلف شمال الأطلسي، ولا للقانون الدولي، ولا لما سبق توقيعه من اتفاقيات دولية.
أسئلة صعبة تتفاقم خطورتها في ظل تطورين مهمين: أولهما، مشروع القانون الذي تقدم به عضو الكونغرس راندي فاين (جمهوري عن ولاية فلوريدا)، لضم جزيرة غرينلاند إلى الولايات المتحدة «طوعاً»، وثانيهما، المعلومات التي نسبت إلى ديمترى ميدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي عن نوايا روسية لضم جزيرة غرينلاند، في منافسة صريحة مع الولايات المتحدة، من شأنها تأجيج الصراع الدولي حول هذه الجزيرة.
وكالة «إنترفاكس» للأنباء التي نقلت ما نسب إلى ميدفيديف (13/1/2026)، قوله أن «سكان جزيرة غرينلاند قد يصوتون إلى روسيا، إذا لم يتحرك الرئيس الأمريكي على وجه السرعة لضمها». التصريح غامض وملتبس: هل موسكو تريد ضم غرينلاند، أم أنها تحث واشنطن على سرعة ضمها؟.
في الحالة الأولى ستدخل في منافسة صريحة مع الولايات المتحدة على الجزيرة، وفي الحالة الثانية تكون متعمدة تحفيز الولايات المتحدة على ضم هذه الجزيرة، وفي هذه الحالة ستجد موسكو كل المبررات، لإعلان ضم أوكرانيا، وفى الحالتين نحن أمام أجواء صراع دولي شديد التعقيد في وقت لم تهدأ فيه أصداء العدوان الأمريكي على فنزويلا، وفي وقت تزداد فيه الأوضاع سخونة في الشرق الأوسط، على ضوء التهديدات الأمريكية والإسرائيلية بشن عدوان جديد ضد إيران، تحت غطاء حماية المتظاهرين.



‫0 تعليق

اترك تعليقاً