حرب أم لا حرب؟ احتواء محتمل أم مواجهة مفتوحة؟ السيناريوهات كلها مطروحة بالقدر نفسه.
لا يمكن ترجيح سيناريو، أو استبعاد آخر؟
تعزى السيناريوهات المتضاربة إلى طبيعة شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارته للأزمات الدولية.
اعتاد أن يعطي إشارات متعاكسة، الشيء ونقيضه بدواعي الإرباك المقصود، أو بغير تخطيط، أو قصد. السيناريوهات المتضاربة تتقاطع عند هدف واحد «تفكيك النظام الإيراني».
بذريعة حماية المتظاهرين الإيرانيين من قمع وتعسف بالغين، أشار ترامب إلى عمل عسكري يوشك أن يبدأ، غير أنه عاد في رسالة عكسية ليقول إنه قد توافرت لديه معلومات موثوقة تفيد بأن الإعدامات بحق المتظاهرين توقفت، وأن «هذا خبر جيد» يستحق التحقق منه والالتزام به.
اتخذ ذلك التصريح دليلاً على تهدئة محتملة، وأن شبح الحرب ابتعد. كان ذلك استنتاجاً مفرطاً في تفاؤله.
بدا مثيراً للالتفات أن الإيرانيين ينفون تماماً أن تكون قد صدرت أية أحكام بالإعدام بحق المنخرطين في الاحتجاجات الشعبية، التي شملت البلد كله.
أرقام الضحايا محل سجال بالغ الحدة إيرانياً ودولياً. المحتجون يصلون بها إلى مستويات غير مسبوقة تأكيداً على شدة القمع ووحشيته. السلطات بدورها تركز على سقوط أعداد كبيرة للغاية من رجال الأمن بيد مسلحين في تفرقة بين الاحتجاجات الشعبية المشروعة والعصابات المسلحة، التي تحركها أجهزة استخبارات تمويلاً وتسليحاً.
باعتراف ترامب فإنه لا تتوافر لديه معلومات دقيقة عن أرقام الضحايا السلميين، لكنه بدا مندفعاً إلى الحرب قبل أي تحقق.
شاعت أخبار عن تدخلات خليجية وأوروبية وإسرائيلية، بحسابات متناقضة، تطلب إرجاء الحرب. الخليجيون بخشية أن تمتد كتل النيران إلى المنطقة. كان خفض مستوى التحذير الأمني في قاعدة «العديد» مؤشراً على ابتعاد شبح الحرب.
يميل الأوروبيون إلى التشدد المفرط في فرض العزلة الدبلوماسية والتجارية على طهران من دون انجراف إلى الحرب، التي قد تؤذي مصالحهم الاستراتيجية والنفطية.
يطلب الإسرائيليون وقتاً للاستعداد العسكري الدفاعي قبل أية مواجهة جديدة مع الصواريخ الباليستية الإيرانية الأكثر تقدماً وتدميراً.
بتقدير راجح فإن ترامب لا يريد أن يتورط في حرب طويلة الأمد، لكنه لا يستبعد الفكرة كلياً. ربما يميل إلى ضربات محدودة ومؤلمة حتى لا يقال إنه تراجع مضطراً.
هاجسه الرئيسي خسارة الانتخابات النصفية لمجلسي الكونغرس في الخريف المقبل. إذا خسر الحزب الجمهوري الانتخابات الوشيكة فسوف تتقوض سيطرته على مجلسي الشيوخ والنواب، بما يتبعه من عواقب سياسية وقيود غليظة على تصرفاته وسياساته شبه الانفرادية في بلد يفترض فيه خضوعه للعمل المؤسسي، لا أهواء الرئاسات.
معضلته الجوهرية إخفاق سياساته الاقتصادية في خفض نسب التضخم وكبح غلاء الأسعار. لا يراجع سياساته بقدر ما يبحث عن حلول بالسيطرة على الموارد الطبيعية في دول أخرى. والبترول الإيراني هدف مباشر.
يصعب تسويغ دخول ثلاث حروب متزامنة، حرب برية غير مستبعدة مع فنزويلا لإحكام السيطرة على ثرواتها النفطية.. وحرب من نوع آخر مع الحلفاء الأوروبيين حول جزيرة غرينلاند.. هذه أخطر وأفدح دون طلقة رصاص واحدة تنهي التحالف الغربي وتقوض حلف «الناتو».
إذا ما اندلعت حرب واسعة مع إيران فإنها تنذر بانهيارات كبرى في الشرق الأوسط كله، لا في إيران وحدها. تفكيك إيران يعني- بالضبط- جر المنطقة إلى فوضى ضاربة، عرقية وطائفية ومذهبية. بصياغة أخرى، فإنه دخول مؤكد إلى الشرق الأوسط الجديد تحت القيادة الإسرائيلية.
القضية ليست إيران، بل الحقائق الجيواستراتيجية في المنطقة كلها، طبيعتها وموازين القوى فيها.
إيران ميدان للصراع على المنطقة، وليست الصراع كله. لم تكن نصرة المظاهرات والاحتجاجات الشعبية هدفاً أمريكياً حقيقياً، بل ذريعة تدخل لتفكيك إيران.
على خلفية أزمة اقتصادية خانقة وانخفاضات غير مسبوقة في قيمة العملة المحلية اكتسبت الاحتجاجات شرعيتها وزخمها. كان انقطاع التيار الكهربائي في بلد يملك احتياطات كبيرة من النفط والغاز، داعياً للتساؤل عن الإهمال والفساد وضرورات الإصلاح في بنية النظام نفسه.
تجمعت في بوتقة الاحتجاجات شرعية الغضب مع التوظيف السياسي والاستخباراتي لإسقاط النظام على خلفية أدواره في دعم القضية الفلسطينية.
لم يعهد عن ترامب أي دعم للتحركات الشعبية، كل ما يعنيه في الأزمة المتفاقمة توظيفها لمقتضى أهدافه ومراميه الحقيقية.
بمناسبة أو بغير مناسبة تحرض إسرائيل تقليدياً على إيران. في اجتماع ضم أخيراً نتنياهو وترامب في منتجع «مارالاغو» دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى توجيه ضربة قاصمة لإيران، بدلاً من الضغط عليها لتنفيذ استحقاقاتها في خطة السلام المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي. لم يمانع ترامب الطلب الإسرائيلي. هكذا وفرت الاحتجاجات الغاضبة ذريعة للتدخل العسكري وتفكيك النظام.
«المساعدات في الطريق». كان ذلك تعهداً ترامبياً بتدخل يساعد المتظاهرين، من دون أن يحدد طبيعتها وحجمها ومداها وما بعدها.
كل شيء ترك مفتوحاً للتكهنات والسيناريوهات المتضاربة. أخطر ما في رسالة ترامب دعوته للمتظاهرين الغاضبين للسيطرة على مؤسسات الدولة، أو تفكيكها بمعنى أوضح. أفضى ذلك التدخل المفرط إلى عكس أهدافه.