الإيمان والخشية.. علاقة أمريكا بالحرب منذ 1945

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


منذ عام 1945، دخلت الولايات المتحدة مرحلة تاريخية تميّزت بحضور الحرب في صلب التفكير السياسي والاستراتيجي. وترافقت نهاية الحرب العالمية الثانية مع بروز دور أمريكي عالمي جديد، حمل معه تصوراً خاصاً للعالم، وللقوة، ولطبيعة التهديدات. في هذا السياق، أصبحت الحرب جزءاً من البنية الذهنية التي تنظّم علاقة الدولة الأمريكية بالسياسة الدولية، وتشكل فهمها للأمن القومي، وموقعها في النظام العالمي.
يتناول كتاب «الإيمان والخشية علاقة أمريكا بالحرب منذ 1945» لغريغوري أ. داديس، هذا التحول من زاوية تاريخية فكرية، متتبعاً الكيفية التي استقرّت بها الحرب في الوعي الأمريكي بوصفها أداة مركزية في إدارة الشؤون الدولية. ينطلق المؤلف من لحظة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تزامن الشعور بالانتصار مع إدراك عميق لقوة التدمير التي باتت الحرب تحملها، بخاصة في ظل العصر النووي. هذا التداخل بين الثقة بالقدرة العسكرية والشعور بالخطر الوجودي أسّس لنمط تفكير استمر عبر العقود اللاحقة.
يعرض الكتاب الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد، في 2025 ضمن 472 صفحة، كيف امتد حضور الحرب إلى مختلف مستويات المجتمع الأمريكي، من الخطاب السياسي والمؤسسات العسكرية إلى الثقافة الشعبية، ووسائل الإعلام. في هذا الإطار، تحوّلت مفاهيم مثل الردع والاحتواء والاستباق، إلى أدوات تفسير أساسية للعالم، وأسهمت في صياغة سياسة خارجية ذات طابع عسكري متقدّم. ويبيّن داديس أن هذا التصور جعل الحرب إطاراً مرجعياً لفهم التهديدات الدولية، سواء جاءت من دول منافسة، أو من حركات أيديولوجية، أو من تحولات جيوسياسية متسارعة.
ومن خلال إعادة قراءة محطات رئيسية، مثل الحرب الكورية، وحرب فيتنام، وسنوات الحرب الباردة الطويلة، يوضح المؤلف أن هذه الصراعات تشكّلت ضمن منطق واحد يرى في القوة العسكرية وسيلة رئيسية لحماية النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
ويقدّم الكتاب هذه الحروب على شكل حلقات في مسار فكري متصل، تشكّلت فيه السياسة الأمريكية عبر تفاعل مستمر بين التخطيط العسكري والقلق من الانزلاق إلى صراعات شاملة.
كما يتوقف العمل عند العلاقة بين المجتمع الأمريكي والحرب، موضحاً كيف تداخل الشعور بالمسؤولية الوطنية مع إدراك كلفة الصراعات الطويلة. هذا التداخل أسهم في إنتاج خطاب سياسي يعكس ثقة واسعة في المؤسسة العسكرية، إلى جانب وعي دائم بتبعات استخدام القوة. ويرى داديس أن هذا الإطار الذهني استمر في تشكيل السياسات الأمريكية حتى العقود الأخيرة، حيث ظلّ الأمن مفهوماً واسعاً يتداخل فيه العسكري، بالسياسي، والاقتصادي.
يتكوّن الكتاب من ستة أجزاء مترابطة زمنياً وفكرياً. في الجزء الأول يتناول المؤلف المرحلة التي أعقبت عام 1945، حيث تشكّلت رؤية أمريكية جديدة للصراع العالمي ارتبطت بفكرة تحرير العالم، وترسيخ دور قيادي ناشئ. ويعرض الجزء الثاني انتقال التفكير الاستراتيجي إلى منطق الردع، وإدارة التوازن النووي، في عالم تحكمه الحسابات الدقيقة للمخاطر الوجودية. أما الجزء الثالث فيركّز على توظيف القوة في مشاريع إعادة البناء والتحوّل، مع بروز طموحات تغيير المجتمعات خارج الحدود. ويعالج الجزء الرابع محاولات توظيف القوة العسكرية ضمن مسارات التهدئة، وصناعة الاستقرار الدولي. وفي الجزء الخامس، ترتبط التدخلات المحدودة باستعادة الثقة والمكانة بعد مراحل من الارتباك الاستراتيجي.
ويختتم الجزء السادس بتحليل مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حيث تُفهم القوة المسلحة كوسيلة لتنظيم عالم معولم مضطرب وإدارته على المدى الطويل.



‫0 تعليق

اترك تعليقاً