الابتكار في الإدارة الصحية بالإمارات

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


د. عمر عيسى حابوه

يشهد القطاع الصحي في دولة الإمارات العربية المتحدة تحولاً نوعياً مدفوعاً برؤية وطنية استراتيجية تجعل الابتكار ركيزة أساسية لتحسين جودة الحياة والخدمات الصحية.
يرتكز هذا التحول على الدمج المنهجي والمتوازن بين التكنولوجيا المتقدمة والقيادة الصحية القادرة على إدارة التغيير واستدامته على المدى الطويل.
وتركز استراتيجية الابتكار الصحي الوطنية على بناء منظومة متكاملة تشمل حوكمة الابتكار الفعّالة، وتمكين الكوادر الصحية، وتوظيف البيانات والتحليلات المتقدمة لدعم القرار، السريري والإداري. وتستهدف هذه الاستراتيجية جعل الدولة وجهة رائدة للرعاية الصحية الذكية من خلال تطوير البحث العلمي، وتعزيز الشراكات الدولية، واعتماد نماذج رعاية قائمة على القيمة، وليس على حجم الخدمات المقدمة.
التكنولوجيا الرقمية تعدّ أداة محورية في هذا التحول الذي تشهده المنظومة الصحية. وتتوسّع الدولة بشكل مستمر في تطبيقات الطب عن بعد التي تجلب الخدمات الطبية إلى منازل المرضى، وتطوير الجراحة الروبوتية التي تزيد من دقة العمليات، وتقلل من المضاعفات، وأنظمة السجلات الصحية الإلكترونية المترابطة بين المؤسسات الحكومية والخاصة. كما يدعم تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي في التشخيص الدقيق، والتنبؤ بالمخاطر الصحية، وتحسين مسارات علاج المرضى وكفاءة تخصيص الموارد.
ومن الأمثلة العملية على الابتكار في القطاع الصحي الإماراتي استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الأشعات الطبية لتحسين دقة التشخيص، والعيادات الافتراضية التي توفر استشارات طبية من دون الحاجة إلى التنقل، وتطبيقات المواعيد الرقمية الموحدة، وخدمات توصيل الأدوية إلى المنازل. هذه المبادرات لا تحسّن تجربة المريض فقط، بل تقلل أيضاً الضغط على البنية التحتية للمستشفيات والعيادات.
لكن نجاح الابتكار لا يعتمد على الأدوات التقنية وحدها، بل على نمط قيادة صحية قادر على مواءمة الكفاءة مع الجودة والابتكار، مع التنظيم والسلامة. لذلك، تركز البرامج الوطنية والأكاديمية في الدولة على تطوير قيادات صحية تجمع بين الفهم السريري العميق، والقدرات الإدارية المتقدمة، والكفاءات الرقمية المتطورة، لقيادة مبادرات التحول الصحي بفعالية.
ويلعب المدير الطبي والقائد السريري دوراً محورياً في إدارة مقاومة التغيير بين الكوادر الصحية. يتطلب ذلك تواصلاً فعّالاً واضحاً، وخططاً مدروسة لإدارة التغيير، وتدريباً عملياً شاملاً على الأنظمة والتقنيات الجديدة. والقيادة الناجحة تعترف بالتحديات التي يواجهها فريق العمل وتعمل على تسهيل الانتقال.
وتبرز أهمية ثقافة الابتكار الحقيقية داخل المؤسسات الصحية من خلال تشجيع الأفكار الجديدة، وتبنّي المشاريع التجريبية بحذر مدروس، وقياس الأثر في سلامة المرضى ونتائجهم الصحية. كما تسهم مؤشرات رأس المال البشري والمعلوماتي والتكنولوجي والتمويلي، في توجيه استثمارات الابتكار نحو مشاريع ذات جدوى اقتصادية واضحة، وقابلة للتوسّع على مستوى المنظومة الصحية برمتها.
قياس أثر الابتكار يتطلب تحديد مؤشرات أداء واضحة: انخفاض مدة الإقامة في المستشفى، تقليل معدلات إعادة الدخول، ارتفاع مستويات رضا المرضى والكوادر، وتحسن ملموس في مؤشرات السلامة والجودة.
وربط هذه المخرجات بقرارات التمويل والتوسع يضمن أن الابتكار لا يبقى مشروعاً معزولاً، بل يصبح جزءاً أساسياً من استراتيجية المؤسسة.

* استشاري وخبير إدارة المنشآت الصحية وأخصائي طب الأسرة والطب الرياضي

[email protected]



‫0 تعليق

اترك تعليقاً