هل ترد أوروبا بـ «البازوكا التجارية»؟ | كلمة الخليج

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


يبدو أن العلاقات عبر الأطلسي بين الولايات المتحدة وأوروبا تتجه إلى طريق اللاعودة، كما أن مستقبل حلف الأطلسي (الناتو) هو الآخر بات محل شك، فالعلاقات بين الجانبين تزداد سوءاً وتوتراً وانحداراً على ضوء الخلاف حول جزيرة غرينلاند الدنماركية التي يطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاستحواذ عليها سلماً أو حرباً، ما يعكس تحولاً في نمط العلاقات عبر الأطلسي من شراكة استراتيجية إلى تعامل قائم على التهديد والابتزاز السياسي، وبات ذلك يمثل اختباراً حقيقياً للاتحاد الأوروبي في قدرته على الاستجابة الموحدة في الرد على واشنطن.
وقد مثّل قرار ترامب الأخير بفرض تعرفة جمركية بنسبة 10 في المئة على البضائع القادمة من السويد والدنمارك والنرويج وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا، ويمكن رفعها لاحقاً إلى 25 في المئة، ذروة الخلاف المستفحل، إذ اعتبرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «غير مقبولة»، فيما قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنها «خاطئة تماماً»، وأكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في بيان مشترك أن «الرسوم الجمركية سوف تقوض العلاقات عبر الأطلسي، وستبقى أوروبا موحدة ومنسقة وملتزمة بدعم سيادتها»، أما وزير المالية الألماني ونائب المستشار لارس كلينغبايل فقال إن «الأوروبيين لن يخضعوا لابتزاز ترامب وسيكون هناك رد أوروبي».
بعد أن نقل الرئيس الأمريكي معركة الاستحواذ على غرينلاند من نطاق التهديدات العسكرية والدبلوماسية إلى نطاق الحرب التجارية المفتوحة، فإنه يضع بذلك دول الاتحاد الأوروبي أمام امتحان جدي في اختبار قدرتها على المواجهة والصمود في وجه هذه الحرب الأمريكية، خصوصاً بعد أن اعتبر التحرك العسكري الأوروبي في الجزيرة «لعبة خطرة»، تحمل مستوى من المخاطرة لا يمكن تحمله، لأن هذه الدول تتحدى رغبته في ضم الجزيرة والسيطرة عليها باعتبارها ضرورية للأمن القومي الأمريكي. وقد أعاد أمس إصراره على تملك الجزيرة متهماً الدنمارك بأنها لم تفعل شيئاً لإبعاد «التهديد الروسي» عن غرينلاند، مضيفاً «حان الوقت لذلك الآن، وسيتم».
لا شك أن الدول الأوروبية تواجه موقفاً صعباً، فهي أمام خيارين، إما الرد الهادئ الذي لا يغضب ترامب من خلال الدعوة إلى الحوار، وإما الذهاب إلى المواجهة المفتوحة بما يعنيه ذلك من نتائج سلبية وخطرة على الطرفين، خصوصاً في حال ذهابها إلى تفعيل ما يسمى «أداة مكافحة الإكراه» المعروفة في أروقة الاتحاد الأوروبي بـ«البازوكا التجارية» والتي صممت أصلاً لمواجهة «التنمر» الاقتصادي من دول مثل الصين، وتتيح هذه الآلية للاتحاد فرض حزمة من الرسوم الجمركية على واردات أمريكية بقيمة 93 مليار يورو، إضافة إلى تقييد الاستثمارات، والحد من التراخيص التجارية، وإغلاق الوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة، وإلغاء اتفاق تخفيض الرسوم الجمركية على البضائع الأمريكية، كما يتعين على أوروبا هيكلة سياستها الخارجية والأمنية بطريقة تمكنها من العمل من دون دعم أمريكي، من منطلق أن الرئيس ترامب يستخدم التجارة كأداة للإكراه السياسي ضد الحلفاء الأوروبيين.
من المقرر أن يلتقي قادة الاتحاد الأوروبي يوم الخميس المقبل في قمة قد تكون من أهم وأخطر القمم التي يعقدها قادة الاتحاد، لأنها ستكون امتحاناً لقدرتهم على حماية اتحادهم من المخاطر التي تشكلها سياسات الرئيس الأمريكي.



‫0 تعليق

اترك تعليقاً