قدم النائب محمد فؤاد، عضو مجلس النواب، طلب إحاطة موجهًا إلى رئيس الوزراء ووزير المالية، بشأن عدم اتساق الخطاب الحكومي المتعلق بخفض الدين العام مع أحكام قانون المالية العامة الموحد.
الإطار الدستوري والقانوني لطلب الإحاطة
وجاء نص طلب الإحاطة عملًا بحكم المادة (134) من الدستور، والمادة (212) من اللائحة الداخلية لمجلس النواب، حيث تقدم بطلب الإحاطة الآتي بشأن عدم اتساق الخطاب الحكومي بشأن خفض الدين العام مع أحكام قانون المالية العامة الموحد الصادر بالقانون رقم (6) لسنة 2022 والمعدل بالقانون رقم (18) لسنة 2024، وبالأخص ما يتعلق بمفهوم دين الحكومة العامة واحتساب مؤشرات المالية العامة.
وتم توجيه الطلب إلى:
رئيس مجلس الوزراء
وزير المالية
خلفية الطلب
شهدت الفترة الأخيرة تكرار تصريحات رسمية صادرة عن الحكومة ممثلة في رئاسة مجلس الوزراء ووزارة المالية، تتحدث عن تحقيق تقدم ملموس في خفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، مع الإشارة في معظم هذه التصريحات والمستهدفات إلى دين أجهزة الموازنة العامة على وجه التحديد.
وفي المقابل، فإن قانون المالية العامة الموحد رقم (18) لسنة 2022 قد عرّف بوضوح مفهوم “الحكومة العامة” باعتبارها تشمل:
الوزارات والهيئات العامة، والصناديق والحسابات الخاصة، وكافة الجهات التي تتحمل الدولة مسؤولية تمويلها أو ضمان التزاماتها، سواء أُدرجت موازناتها ضمن الموازنة العامة للدولة أو كانت لها موازنات مستقلة.
وبالتالي، فإن دين الحكومة العامة وفقًا للقانون يمثل الإطار الصحيح والملزم لتقييم عبء الدين الحقيقي الواقع على الدولة والخزانة العامة.
جوهر الإشكالية
يثور تساؤل رقابي جوهري حول سبب اقتصار الخطاب الحكومي والمستهدفات المعلنة على دين أجهزة الموازنة، رغم أن:
القانون الملزم يتحدث صراحة عن دين الحكومة العامة في النص الواضح بالمادة (25) مكرر (أ)، التي أوجبت احتساب جميع مؤشرات المالية العامة على أساس موازنة الحكومة العامة، وليس موازنة أجهزة الدولة فقط.
الخزانة العامة هي الضامن الأخير لكافة التزامات جهات الحكومة العامة، سواء ظهرت داخل الموازنة أو خارجها.
خفض دين أجهزة الموازنة لا يعكس بالضرورة خفضًا حقيقيًا في إجمالي الالتزامات السيادية للدولة.
خفض الدين الموازني لا يعني الاقتصاد الكلي من أعباء المؤسسات والهيئات الحكومية التي يشكل نشاطها الاقتصادي جزءًا حاكمًا من الدين الخارجي تحديدًا، حيث تشكل تلك الهيئات 51٪ من الدين الخارجي طبقًا لبيانات الربع الأول من العام المالي الحالي، رغم انخفاض ديون أجهزة الموازنة.
ويلاحظ مقدم الطلب أن استراتيجية المالية العامة، كما جرى عرضها وكما احتوتها السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، وما تضمنته من جداول ومستهدفات كمية، قد اعتمدت تعبيرًا معياريًا منقوصًا للدين العام، إذ انحصرت المؤشرات المستخدمة بشكل واضح في دين أجهزة الموازنة العامة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.
ويظهر ذلك جليًا في الجداول الرسمية المعروضة ضمن استراتيجية المالية العامة، وبالتالي السردية، والتي تستخدم توصيفًا مباشرًا لمؤشر الدين الحكومي (دين أجهزة الموازنة العامة) دون إدراج أو قياس دين الحكومة العامة وفقًا للتعريفة القانونية، ودون الإشارة إلى التزامات الهيئات العامة الاقتصادية الداخلة ضمن نطاق الحكومة العامة.
ويؤكد مقدم الطلب أن هذا النهج لم يعد منسقًا قانونًا بعد التعديلات الجوهرية التي أدخلها القانون رقم (18) لسنة 2024 على قانون المالية العامة الموحدة، ولا يتوافق مع الإطار الملزم الذي أوجب احتساب مؤشرات المالية العامة على أساس موازنة الحكومة العامة، لا موازنة أجهزة الدولة فقط.
الآثار المترتبة على هذا التباين
الأثر الرقابي والاقتصادي
يشير مقدم الطلب إلى أن هذا التباين لا يعد مسألة فنية محاسبية، بل يترتب عليه آثار رقابية واقتصادية مباشرة، من بينها:
إضعاف الشفافية في عرض الوضع الحقيقي للدين العام.
إرباك التقييم البرلماني لمستهدفات الاستدامة المالية.
تشويه مؤشرات المخاطر السيادية عند عرضها بشكل جزئي أو انتقائي.
فتح المجال لتحسن شكلي في المؤشرات دون تحسن فعلي في عبء الدين الذي تتحمله الدولة.
الأثر على الخطاب العام والتخريجات الاقتصادية
ويزداد هذا التعارض وضوحًا في ضوء بعض المقترحات التي تعتمد على مبادلة أصول أو التزامات بين جهات مملوكة للدولة أو داخلة ضمن نطاق الحكومة العامة، سواء تم ذلك بين أجهزة الموازنة والهيئات العامة، أو بين كيانات لها موازنات مستقلة، أو عبر نقل الأصول إلى شركات مملوكة للدولة.
إذ إن مبادلة الأصول أو الالتزامات داخل نطاق الحكومة العامة لا يترتب عليها، من منظور قانون المالية العامة الموحدة، أي خفض حقيقي في عبء الدين السيادي، طالما ظلت هذه الأصول والديون ضمن نفس النطاق الذي تتحمل عنه الدولة المسؤولية المالية النهائية.
وعليه، فإن اعتبار هذه المبادلات خفضًا للدين العام يمثل تعارضًا مع:
مبدأ وحدة المسؤولية المالية للدولة.
مفهوم الدين العام.
المعايير السليمة لقياس الاستدامة المالية.
وهو ما يخلق فجوة منهجية واضحة بين:
ما يقرره القانون.
وما يعرض على البرلمان والرأي العام.
وما تتحمله الدولة فعليًا من أعباء مالية.
المطلوب إيضاحه من الحكومة
طالب النائب محمد فؤاد بإحاطة الحكومة وتوضيحها أمام مجلس النواب بشأن:
عدم الالتزام بالتعريف الوارد بقانون المالية العامة الموحد عند الحديث عن خفض الدين العام.
ضمان عدم الاكتفاء بإعادة توزيع الأصول أو الالتزامات داخل نطاق الحكومة العامة بما يحسن المؤشرات شكليًا دون خفض العبء السيادي الحقيقي.
توقيت توحيد الخطاب والمؤشرات المالية الرسمية بما يتسق مع القانون ويعزز مصداقية السياسة المالية للدولة.
خاتمة
أكد مقدم الطلب أن تحقيق الانضباط المالي وخفض الدين هدف وطني لا خلاف عليه، غير أن هذا الهدف يفقد معناه بالكامل إذا جرى تحقيقه عبر معالجات محاسبية شكلية أو ترحيل مؤقت للأعباء، بما يقود في النهاية إلى تحميل المواطن كلفة مؤجلة بدلًا من معالجة حقيقية.
وأشار إلى أن السياسات المالية الجادة لا تُقاس بتجميل المؤشرات أو إعادة تصنيف الالتزامات، وإنما بقدرتها على خفض فعلي ومستدام لعبء الدين دون خداع رقمي أو تضليل في العرض، وهو ما يقتضي التزامًا صارمًا بالشفافية وبنصوص القانون، لا اجتهادًا في تصويرها.
وطالب في ختام طلبه بإحالة طلب الإحاطة إلى لجنة الخطة والموازنة بالمجلس الموقر.