خالد راشد الزيودي*
عندما يدعو المندوب الدائم لدولة الإمارات العربية المتحدة لدى الأمم المتحدة، محمد أبو شهاب، في اجتماع مجلس الأمن بشأن اليمن، إلى تكثيف الجهود الدولية لدعم مسار السلام وترسيخ الأمن في البلد الشقيق، فإنه لا يطلق موقفاً إنشائياً، ولا يكرّر دعوة مألوفة، بل يعبّر عن قناعة راسخة تشكّلت عبر تجربة طويلة، مفادها أن الاقتصار على إدارة الأزمة لم يعد كافياً، وأن البيانات وحدها لم تعد قادرة على وقف تدهور الأوضاع. فاليمن، الذي تتفاقم أزمته يوماً بعد آخر، لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل، ولا الاكتفاء بالأقوال، بل يحتاج إلى انتقال واضح من النوايا المعلنة إلى الأفعال المؤثرة والمسؤولة.
اليمن يستحق السلام الآن، لا في زمن مؤجل لا يعرف أحد متى يأتي، سلاماً يضمن الاستقرار، ويعيد الأمل، ويحفظ وحدة الدولة، ومصالح المنطقة، ومستقبل أجيالها القادمة.
هذا الموقف الإماراتي لا ينفصل عن سياقه التاريخي، ولا عن رؤية ثابتة تجاه اليمن والمنطقة. فتأكيد دولة الإمارات العربية المتحدة على ضرورة تكثيف جهود المجتمع الدولي لدعم مسار السلام وترسيخ الاستقرار والأمن في اليمن، هو في جوهره امتداد لمسار قديم، سبق انخراطها في التحالف العربي لدعم الشرعية عام 2015، بسنوات طويلة. فمنذ قيام دولة الاتحاد عام 1971، وقفت الإمارات إلى جانب اليمن في مختلف المراحل، انطلاقاً من علاقات متجذرة في التاريخ، وروابط إنسانية وتنموية لا يمكن تجاوزها، أو القفز عليها في أيّ قراءة منصفة، أو تقييم موضوعي.
وقد جسّد المغفور له، القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، هذه العلاقة عملياً، من خلال أربع زيارات رسمية إلى اليمن، بدأت عام 1972، وتوّجت عام 1980 بافتتاح سد مأرب الذي أعيد بناؤه على نفقة دولة الإمارات. ولم يكن هذا المشروع مجرّد إنجاز هندسي، بل رسالة سياسية وتنموية واضحة، تؤكد أن النهوض باليمن يبدأ من دعم استقراره، وتعزيز قدرته على الاعتماد على نفسه، بعيداً عن دوائر الفقر والتهميش، وبما يخدم التنمية المستدامة.
ومنذ ذلك التاريخ، ظلّ الهدف الإماراتي واضحاً: إرساء دعائم التنمية، وتعزيز الأمن والاستقرار، ومساندة اليمن في مسيرته نحو التطور، وهو نهج لم يتغيّر بتغيّر الظروف، بل تأكد في أصعب المراحل التي مرّ بها اليمن، عندما تحولت أزمته إلى واحدة من أعقد الأزمات في المنطقة، وأكثرها تأثيراً في الإنسان والدولة، معاً.
وتعكس الأرقام الرسمية حجم هذا الالتزام، إذ بلغ إجمالي المساعدات الإماراتية المقدمة لليمن على مدى السنوات الماضية، نحو 26.1 مليار درهم، خُصصت لدعم الاستقرار، وإعادة الإعمار، وتحسين الخدمات الأساسية، من بينها 7.3 مليار درهم، أي ما يعادل مليارَي دولار، خلال الفترة من إبريل/ نيسان 2015، إلى مارس/ آذار 2017، في إطار الدور الإنساني والتنموي الذي اضطلعت به الإمارات في مشاريع إعادة التأهيل والبناء.
وقد شملت هذه الجهود بناء المستشفيات والمراكز الصحية، والمدارس، وإمدادات الطاقة، والمباني العامة، ومشاريع المياه، وتوفير المواد الغذائية والمستلزمات الطبية، ومكافحة الأوبئة مثل الكوليرا، وصيانة شبكات الصرف الصحي، في محاولة حقيقية للتخفيف من معاناة الإنسان اليمني، والحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، والاستقرار الاجتماعي.
لقد كان هذا الدعم، في جوهره، أخوياً وإنسانياً، استهدف الإنسان اليمني، أولاً وأخيراً، بعيداً عن أيّ حسابات ضيّقة. كما أسهم في الحد من انزلاق اليمن إلى بؤرة استقطاب إقليمي أوسع، والحفاظ عليه جزءاً من محيطه الخليجي، وأمته العربية. وقد دفعت دولة الإمارات في سبيل ذلك ثمناً واضحاً، دماً، وجهداً، والتزاماً، تأكيداً على أن مسؤوليتها تجاه اليمن لم تكن موقفاً عابراً، بل خياراً مبدئياً ثابتاً.
وإذا كانت دولة الإمارات العربية المتحدة قد عبّرت عن موقفها بوضوح، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق المجتمع الدولي بأكمله، للانتقال من نهج إدارة الأزمة إلى العمل الجاد على إنهائها، عبر خطوات عملية تتجاوز البيانات والتوصيات العامة، وتضع في الاعتبار حجم التحديات، وتعقيداتها، الإنسانية والسياسية. فاستمرار التعامل مع الوضع الراهن بوصفه أزمة قابلة للاحتواء المؤقت، لا للمعالجة الشاملة، لم يعد كافياً في ظل ما يشهده اليمن من تدهور متواصل في مختلف القطاعات، وما يترتب على ذلك من آثار إنسانية وأمنية، تتجاوز حدوده الجغرافية.
لقد أثبتت التجربة أن إطالة أمد الأزمة، مهما كانت دوافعها، تزيد من كلفة المعاناة، وتُبقي اليمن في دائرة عدم الاستقرار المفتوح، وهو واقع لا يخدم أحداً، ولا يحقق السلام المنشود. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى دعم جاد ومتوازن لمسار السلام، يقوم على رؤية شاملة تراعي متطلبات الأمن والاستقرار، وتعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، وتضع مصلحة الشعب اليمني في صدارة الأولويات، من دون استثناء. كما يظل منح اليمن فرصة حقيقية للخروج من دوامة الصراع، وبناء مستقبل أكثر استقراراً وأمناً، مسؤولية جماعية لا تحتمل مزيداً من التأجيل.
* باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر
[email protected]