«تحيا مصر» ينفرد بنشر فصل من أول رواية للكاتبة الكبيرة فاطمة ناعوت «قبو الورّاق»

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تخص الكاتبة والمبدعة فاطمة ناعوت موقع «تحيا مصر»، بنشر فصل من أحدث أعمالها «قبو الورّاق»، وهي الرواية الأولى للشاعرة الكبيرة، والتي صدرت مؤخرا عن دار سما للنشر.

تقدم  فاطمة ناعوت نفسها إلى جمهور معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 لأول مرة كساردة، من خلال تجربة تفتح من خلالها خزائن الذاكرة المثقوبة.

 

الفصل الخامس من رواية «قبو الورّاق» للكاتبة فاطمة ناعوت

لا أحد يعرف كم عددُهم، ولا من أين يجيئون، لكنك تشعر بعيونهم حين يُمحى اسمٌ من العالم. لا أحدَ يراهم كاملين. تظهر منهم عينٌ بلا وجه، أو ظلالٌ بلا جسد. وكلما سُحِب اسمٌ من الهواء، برُدت الغرفة لحظةً، كأنّ العالم فقدَ نفسًا واحدًا. ظلالُ وجوههم بلا ملامح، كأنها صُبَّت من حروف ذابت، وصوتُ خطواتهم هو النذير الأخير قبل أن يسقط الاسم في العدم.

غلاف الرواية 

المشهد الخامس
حرّاس الأسماء المحذوفة

خرجتُ من المكتبة بعد منتصف الليل. الهواء ثقيل، كأن المدينة تُخفي أنفاسها، وكأن الأزقة تخاف أن تنطق.

خطايَ تقودني بلا وعي. أمشي في درب لم أره من قبل، رغم أنني عشت في هذه الحارة عمري كله.

الشارع ضيق، الجدران قريبة، وكأنها تهمس لبعضها وتتداول سرًّا.
وفي نهاية الدرب… باب. باب خشبي صغير، متهالك، وعلى عتبته نقشٌ قديم بالكاد يُرى:
“باب الحُفّاظ.”

وضعت يدي عليه. كان باردًا كأنّه لا يُفتح إلا للأموات… أو للأسماء المحتضرة. ارتجفتُ، تراجعت. قلبي يدق، وعيناي تزوغان. أين أنا؟
وعدتُ مسرعًا إلى المكتبة.

الضوءُ ضعيفٌ، المكان كما تركته. إلا أن المخطوطة كانت مفتوحة على صفحة جديدة.
اقتربتُ.
الصفحة فارغة… إلا من سطر واحد:
“نحن لا نُكتب… نحن نحذف.”

وقبل أن ألتقط أنفاسي… سمعت صوتًا خلفي:
– تأخرتَ يا “يوسف”.

التفتُّ. كان واقفًا في الظل: طويل، رأسه مغطى بعمامة رمادية، وعيناه تشبهان الرماد. كأنما جمرٌ حمد منذ قرون.

– الشيخ “مرجان”…؟ كيف دخلت؟

– الباب مفتوح لمن لم يُمحَ بعد.

اقتربَ. خطاه لا تُسمع. جلس على الكرسي المقابل، كأنّه جزء من المكتبة. كان مستقرًّا حتى شعرتُ وكأنه هنا منذ زمن المخطوطة الأولى.

– هل قرأتَ المخطوطة…؟
– نعم، و…

رفع يده، فقطعتُ جملتي:

– إذن بدأتَ تُمحى.

شعرت ببرودة تتسرب إلى أصابعي. لكنه أكمل:

– لا تندهش. كل من قرأها، تلاشى. ليس من الحياة… بل من التاريخ، يا “يوسف”.

صمت، ثم تابع:
– أبوك كتب النسخة الرابعة… لكنه لم يكتب النهاية. تردد… توقّفَ… فحُذِف.

– مَن حذفَه؟

ابتسم بمرارة:
– نحن… حرّاس الأسماء المحذوفة. نُراقب النسخ. نحفظ التوازن. لا نسمح بتغيير ما كُتب.

شعرتُ بجسدي يتجمد. كنت أبحث في وجهه عن طيف رحمة، فلم أجد سوى ظلّي ينعكس في عينيه.

– ولماذا تُخبرني الآن؟
– لأنك كتبت اليومَ في مفكرتك أول سطر يُكتب في النسخة السادسة.

– لكنني…

– كتبتَ اسمَك. واسمُك لم يكن في النسخة.

تراجعتُ خطوة.

– وماذا سيحدث لي؟

– لا شيء، إن توقفت. وإن حاولتَ أن تُعيد الكتابة… فستُمحى كما مُحيَ أبوك. أو نفسُك القديمة.

صمت “مرجان”. ثم وضع ورقة صغيرة على الطاولة. قائمة أسماء، كلّها مشطوبة… إلا آخرها، مكتوب باللون الأحمر: “يوسف الورّاق”.
ثم قال:
– خذ هذا.

رفعتُ عيني…. كان قد اختفى. لكني سمعت صوته، يتردّدُ بين جدران المكتبة:
“احذرْ… الورقُ لا يرحم. ومَن يكتب… يُعاد.”

***
يُقال إنه كانت هناك مدينة من ذهب، تُنطق أسماؤها في كل حجر ونافذة. كل شارع يحمل اسمًا، كل جدار يناديك بلقبِ مَن مرّوا. في وسطها ميدانٌ لم يكن للبيع ولا للتغيير. اسمه محفور بأربعة أحرف من ذهب. كلمة لم يعد أحد يذكرها الآن، سوى أنها كانت تحمي المدينة من النسيان. لكن عبر النسخ، ومع كل دورة محو، تآكل الحرف الأول، ثم الثاني، حتى أُعيدت صياغة الاسم في النسخة الخامسة ليصبح: “قلب مصر”. تحتها نقش أصغر:

“كل مَن ينطق اسمي… يُصان. ومَن ينساني… يُمحى.”

لم يكن الحذف دائمًا، ففي سالف الزمن، كانت المدينة يُنطق اسمها في كل شيء. كانت الشوارع مرقّشة بالحروف، كل جدار يُناديك باسم حيّ، كل حجر ينطق ذاكرة من مشى عليه.
المقهى كان يُسمّى “ظلّ القمر”… والمكتبة تُدعى “عينُ المعرفة”. حتى الأزقة الصغيرة حملت أسماء طيور وزهور.

في “عيد النطق” السنوي، كان أهل المدينة يحتفلون بالاسم. يرتدون الأبيض. وكان الأطفال يكتبون أسماءهم ويُلقونها في النهر. فإذا عبر الاسمُ الماء، بقي صاحبه في الذاكرة إلى الأبد. هكذا كان يُقال.

***

لكن ذات عام… لم يحتفل الناس. نسيوا. ثم قالوا:
– ما جدوى النطق؟ نحن نعيش… ولسنا أسماء.

في تلك السنة، سقط الحرف الأول من اللافتة الذهبية. ثم الثاني… ثم صمتت المدينة.

***

بعدها جاء “الأبكمُ الأول”، ومحا ما تبقّى.

***

“يوسف الورّاق”، كان طفلًا حينها. شاهد النهر يمتلئ بأوراقٍ بلا أسماء…. فخبّأ ورقة واحدة. ومنها بدأ كل شيء.

***
قيل في الأثر:
مَن ضاع اسمُه، مشى في الأرض بلا ظلَ؛ كأن الأرض لفظت خُطاه. ومن بقي اسمه في أفواه الناس، عاش نصفَ حياة، يستهلكه النطقُ حتى يتساقط حرفًا حرفًا، كما يستهلكُ المُسبِّحُ حبةً بعد حبّة. والحرفُ الأخير لا يسقط وحده، بل يأخذ معه ما تبقى من الجسد والذاكرة. لهذا يحرسُ الحُفّاظُ ما يُمحى… لا رحمةً، بل اتقاءً لانفلات الأسماء وابتلاعها العالم. فالاسم إذا تُرك بلا حارس، صار مثل سبحةٍ انفلت خيطها: تتبعثر حبّاتها في العدم، وتصيرُ كلُّ حبة مثل فم فاغرٍ يودُّ أن يبتلع طريدة. ويُعاد الكون إلى فوضاه الأولى.
***

 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً