يوسف شاهين | مخرج التمرد والجرأة.. محطات صنعت أسطورة سينمائية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تحتفي الأوساط الثقافية والفنية بمرور مئة عام على ميلاد المخرج يوسف شاهين، ذلك المبدع الذي لم يكن مجرد صانع أفلام عابر، بل كان مدرسة سينمائية متكاملة الأركان وضعت السينما العربية على خريطة المهرجانات العالمية بكل فخر وجسارة. ولد يوسف شاهين في الخامس والعشرين من يناير عام 1926، ومنذ تلك اللحظة بدأت ملامح أسطورة فنية تتشكل، لتمزج بين الواقعية الاجتماعية والتمرد السياسي والجرأة الفكرية التي لم يعهدها المشاهد من قبل. لقد استطاع يوسف شاهين أن يحول الكاميرا إلى أداة للبوح الشخصي والتشريح المجتمعي.

 فكانت أفلامه صرخة في وجه القوالب الجامدة، وحكايات نابضة بالحياة تخرج من “لحم ودم” لتبقى حية في وجدان الأجيال المتعاقبة، حاملة لقبه الأثير “العالمي” الذي استحققه بجدارة بعدما رفع اسم مصر عالياً في محافل دولية كبرى مثل مهرجان كان السينمائي، حيث نال جائزة اليوبيل الذهبي عن مجمل أعماله.

صراعات الطفولة وتكوين الذات خلف الأبواب المغلقة

لم تكن رحلة يوسف شاهين نحو النجومية مفروشة بالورود، وفقا لما رصده موقع تحيا مصر،  بل كانت نتاجاً لصراعات داخلية عميقة بدأت منذ نعومة أظفاره في مدينة الإسكندرية، حيث كشف في لقاءات نادرة عن طفولة مضطربة لم يكن فيها متصالحاً مع نفسه أو فاهماً لتعقيداتها. كان يوسف شاهين يجد في العزلة ملاذاً آمناً، فكان يغلق غرفته على نفسه ليتقمص شخصية “هاملت” لشكسبير، باحثاً في تلك النصوص الكلاسيكية عن وسيلة للتعبير عن فيضان المشاعر الذي كاد يخنقه. تلك الحالة الدرامية المبكرة هي التي ولدت لديه الرغبة الجامحة في التعبير، وهو ما تجسد لاحقاً في شخصياته السينمائية المعقدة مثل “قناوي” في فيلم “باب الحديد”.

يوسف شاهين 

 الذي اعتبره النقاد انعكاساً لجزء من هواجسه النفسية الخاصة. إن هذا التكوين النفسي الفريد هو ما جعل يوسف شاهين يصر على السفر إلى الولايات المتحدة لدراسة فنون المسرح والسينما في معهد “باسادينا بلي هاوس”، مهدداً أسرته بالانتحار إن لم يحقق حلمه، في إشارة مبكرة لروح التمرد التي سيطرت على مسيرته الفنية لاحقاً.

الجرأة في كشف الذات وفلسفة الاقتباس الفني

عُرف عن يوسف شاهين شجاعته النادرة في تعرية حياته الشخصية أمام الجمهور، وهو ما تجلى بوضوح في رباعيته السيرية التي بدأت بفيلم “إسكندرية ليه؟” وصولاً إلى “إسكندرية نيويورك”. لقد واجه يوسف شاهين خجله الفطري بصدق صادم على الشاشة، فكشف عن علاقاته بأسرته ومخاوفه الصحية وتطلعاته السياسية دون مواربة، معتبراً أن الفن الحقيقي يتطلب شجاعة الكشف المطلق. وفيما يخص العملية الإبداعية، كان يوسف شاهين يمتلك وجهة نظر متحررة تجاه الاقتباس، معترفاً بأنه قد يستعين بمشاهد بصرية من السينما العالمية إن وجد فيها ما يخدم فكرته الدرامية،

 كما حدث في فيلم “ابن النيل”، حيث رأى أن الإبداع ليس في خلق الشيء من العدم بقدر ما هو في إعادة صياغته برؤية “بلدي” خالصة تلمس قلب المشاهد المصري. هذا المزيج بين العالمية والجذور المصرية هو ما جعل من اسم يوسف شاهين علامة تجارية للتميز والاختلاف.

تأثير الأستاذ في السينما العربية والميراث الثقافي

امتد تأثير يوسف شاهين ليشمل أجيالاً من المخرجين الذين تتلمذوا على يديه، والذين نقلوا فلسفته في “المشاغبة” الفنية والبحث الدائم عن الإنسان مهما كان عنوانه. لم يكتفِ يوسف شاهين بالإخراج فقط، بل كانت له بصمات واضحة في التمثيل والإنتاج واكتشاف المواهب، ولعل أبرزهم النجم العالمي عمر الشريف الذي قدمه في “صراع في الوادي”.

 تظل أغاني أفلامه مثل “علي صوتك بالغنا” و”حدوتة مصرية” بمثابة أناشيد للحرية والأمل، تتردد في الميادين والبيوت كدليل على أن فن يوسف شاهين لم يكن للنخبة فقط، بل كان لعامة الناس الذين وجدوا في أفلامه صوتاً يعبر عن أحلامهم وإحباطاتهم. إن الاحتفاء بمئوية يوسف شاهين هو احتفاء بروح الفن التي لا تموت، وبالإصرار على تقديم سينما تحترم العقل وتناقش قضايا الوطن بكل إخلاص وتجرد، ليبقى “جو” دائماً هو الأستاذ الذي علمنا كيف نتحدث “بلدي” بعيون عالمية.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً